كتاب “تغيير النظام” يعيد صياغة المشهد الانتخابي في واشنطن؟
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم : العميد منذر الايوبي*
إن اي قراءة في كتاب “تغيير النظام – داخل الإمبراطورية الرئاسية لدونالد ترامب” وفقاً لما كشفته الصحافة الأمريكية، تكشف ان الأهمية الحقيقية للشهادات والوثائق التي حملها كتاب “تغيير النظام” (Regime Change) الصادر حديثاً في واشنطن للمؤلفين البارزين: Maggie Haberman and Jonathan Swan لا تكمن في مجرد كشف كواليس غرف القرار المغلقة، بل في تحولها “شاهد وإثبات” “Witness and proof على ولادة نمط جديد من الحكم يتجاوز الأطر التقليدية للسلطة التنفيذية الأمريكية.
من هنا، فإن القراءة التحليلية المعمقة لهذا العمل لا تستهدف رصد تفاصيله السردية، بقدر ما تسعى لتفكيك أبعاده الاستراتيجية وتوقيته السياسي الحرج الذي يضعه مباشرة في قلب معركة السيطرة على الكونغرس.
أولاً: مأسسة الغريزة وغياب الكوابح التقليدية:
الأطروحة المركزية التي يقدمها التحليل المستند إلى مئات المقابلات من داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب في ولايته الثانية، تدور حول اختفاء طبقة المسؤولين والتكنوقراط والقيادات العسكرية الذين كانوا يلعبون دور “الكوابح” أو صمامات الأمان في الولاية السابقة.
في المقابل، تشكلت بيئة حكم ترتكز على الولاء المطلق وتعتمد على فريق مصغر ومخلص، مما سمح لقرارات استراتيجية كبرى – مثل الخيارات العسكرية في الشرق الأوسط – بأن تُصاغ وتُنفذ بعيداً عن القنوات الدبلوماسية والمؤسسات السيادية المعتادة، بل ودون علم وزراء أساسيين في الإدارة كوزارتي الخزانة والطاقة.
ثانياً: خريطة النفوذ الجديدة وسيكولوجية القيادة:
على صعيد موازين القوى الداخلية، يرصد التحليل تبدلاً واضحاً في مراكز القوى؛ إذ يظهر تراجع تدريجي لنفوذ الوجوه الاستعراضية في قطاع الأعمال والخدمات الحكومية نتيجة الصدام مع الماكينة الإدارية الصلبة للبيت الأبيض، بينما يبرز بالمقابل صعود لافت لرواد قطاع التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي الذين نجحوا في بناء تناغم فكري مع الرئيس، مما منح قطاعهم حرية حركة غير مسبوقة وتأثيراً مباشراً على التوجهات الاقتصادية والاستراتيجية للدولة.
وتتوازى هذه الخريطة مع سيكولوجية خاصة في إدارة الأزمات الكبرى، حيث يمتزج الانفصال عن تعقيدات المشهد العسكري الميداني بالتركيز على أدوات الاتصال الجماهيري الرقمي، والصورة الذهنية العامة، وحسابات المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي كبديل للتعاطي الكلاسيكي مع الأزمات.
ثالثاً: التوقيت الاستراتيجي والذخيرة الانتخابية لمعركة نوفمبر:
لا يمكن فصل توقيت طرح هذا العمل في الأسواق عن التجاذبات السياسية الراهنة في الولايات المتحدة؛ فصدور الكتاب يضعه مباشرة في مجرى الحملات الانتخابية الممهدة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر القادم، وذلك عبر أربعة أبعاد أساسية:
1- صياغة السردية الصيفية: جاء الطرح في ذروة الانتخابات التمهيدية للحزبين ليتداخل مباشرة مع السجال الداخلي في الولايات. ووفقاً للعُرف السياسي في واشنطن، فإن كتب التسريبات الكبرى تُعد في هذا التوقيت لتشكل “الذخيرة الحية” Live ammunition التي تعيد صياغة الرأي العام خلال الصيف قبل انطلاق الحملات الرسمية في سبتمبر.
2- نقل المعركة من الشخوص إلى المؤسسات: يمنح محتوى الكتاب المعارضة الديمقراطية مادة غنية لإعادة صياغة خطابها؛ فبدلاً من الهجوم التقليدي على شخص الرئيس، ينتقل التركيز نحو التحذير من تآكل بنية الدولة الدستورية وغياب الضوابط. إن الكشف عن كواليس القرارات العسكرية أو إدارة ملفات حساسة وشخصية يُوظف انتخابياً لتصوير المعركة القادمة كاستفتاء وطني لإنقاذ ما تبقى من كوابح النظام الدستوري.
3- محاكمة الكفاءة في إدارة الأزمات: تُمثل الانتخابات النصفية تاريخياً حكماً شعبياً على كفاءة الحزب الحاكم. وفي هذا السياق، فإن التباين الذي يقدمه الكتاب بين خطورة الصراعات العسكرية والاهتمامات اليومية داخل المكتب البيضاوي يمثل مادة دعائية مؤثرة للتشكيك في قدرة الإدارة على إدارة الأزمات الكبرى، وهو خطاب يستهدف بالدرجة الأولى كتلة الناخبين المستقلين والمترددين.
4- إعادة تشكيل التوازنات داخل المعسكر الجمهوري: تعيد التفاصيل الواردة رسم الولاءات الداخلية للحزب الجمهوري نفسه، حيث تسلط الضوء على صعود أجنحة جديدة وتراجع أخرى، وتحديد أدوار الشخصيات المحورية المحيطة بالرئيس. هذه المعطيات تنعكس فوراً على خيارات التمويل والدعم للمرشحين لمقاعد النواب والشيوخ، وتحدد طبيعة الجناح الذي سيهيمن على القرار التشريعي للمرحلة المقبلة.
خلاصة القول: إن خطورة ما يثبته كتاب “تغيير النظام” لا تتعلق بالداخل الأمريكي وإعادة صياغة اتجاهات التصويت لانتخابات نوفمبر فحسب، بل تمتد لتضع حلفاء واشنطن وخصومها أمام واقع جديد؛ حيث يغيب التنبؤ بالخطوة الأمريكية القادمة في ظل غياب القنوات الدبلوماسية والمؤسسية التقليدية لحساب “الرئاسة الإمبراطورية” الجديدة…
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الامنية ومكافحة الارهاب.
