خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: الدكتورة ميرنا داود*
التاريخ يعيد نفسه، لكن بأدوات جديدة
عندما كتب المؤرخ الأثيني ثوقيديدس عن الحرب البيلوبونيسية قبل 2400 عام، لخّص سببها بجملة واحدة: “إن نمو قوة أثينا، والخوف الذي أثاره هذا في إسبرطة، هو ما جعل الحرب حتمية”. بعد 25 قرناً، أعاد عالم السياسة غراهام أليسون إحياء هذا التشخيص تحت مسمى “فخ ثوقيديدس” ليصف ديناميكية جيوسياسية خطيرة: عندما تهدد قوة صاعدة مكانة قوة مهيمنة قائمة، تميل النتيجة إلى الحرب.
اليوم، يتكرر هذا النمط في النظام الدولي. السؤال الجيوسياسي الأخطر في عصرنا: هل البشرية محكومة بتكرار هذا الفخ، أم أن أدوات القرن الحادي والعشرين تسمح بتجاوزه؟
أركان فخ ثوقيديدس الثلاثة: تشريح الديناميكية الجيوسياسية:
يقوم فخ ثوقيديدس على تفاعل ثلاثي معقّد بين بنية القوة والسيكولوجيا السياسية، ويتجلّى في ثلاث مراحل متداخلة تحوّل التنافس الطبيعي إلى مسار تصادمي.
الركن الأول: صعود يخل التوازن. تبدأ الديناميكية حين تحقق قوة جديدة نمواً متسارعاً في عناصر القوة الشاملة: اقتصاد منتج، قدرات عسكرية نوعية، اختراقات في التقنيات الحاكمة، وتمدد في شبكات النفوذ. هذا الصعود ليس عدوانياً بذاته، لكنه يغيّر معادلة توزيع القوة في النظام الدولي. القوة الصاعدة، بوعي أو بدونه، تبدأ بالمطالبة بمكانة سياسية ومؤسسية تتناسب مع وزنها المستجد، سواء عبر بناء أطر اقتصادية موازية، أو تأمين خطوط إمدادها، أو إعادة تعريف قواعد اللعبة التي وُضعت في غيابها. المشكلة أن النظام الدولي القائم، بطبيعته، مصمم لخدمة مصالح من أسسوه.
الركن الثاني: هيمنة تشعر بالتهديد. القوة المهيمنة لا ترى في الصعود مجرد منافسة، بل تراه تآكلاً لبنيتها الاستراتيجية. يتحول هاجسها من “إدارة النظام” إلى “حماية المكانة”. هنا يبدأ التحول الخطير في السلوك: عسكرة الأدوات الاقتصادية، تسليح التكنولوجيا، إعادة تشكيل التحالفات على أساس استبعادي، وتأطير صعود القوة الأخرى كتهديد وجودي للنظام والقيم. القوة المهيمنة تبدأ بالتصرف دفاعياً، لكن أفعالها الدفاعية تُقرأ من الطرف الآخر كإجراءات هجومية تهدف لخنق صعوده المشروع. وهكذا تُغلق دائرة سوء الفهم البنيوي.
الركن الثالث: شرارة في منطقة رمادية. الفخ لا ينفجر في العواصم، بل على الأطراف. النزاعات على جزر متنازع عليها، أو مضائق استراتيجية، أو أقاليم ذات ولاءات منقسمة، أو حتى احتكار سلعة تقنية حاكمة، تتحول إلى نقاط اشتعال. هذه “المناطق الرمادية” تكون مرتبطة بتحالفات متصلبة أو مصالح رمزية حادة للطرفين. حادث عرضي، سوء تقدير من قائد ميداني، أو استفزاز محسوب من طرف ثالث، يكفي لإشعال مواجهة لم تخطط لها أي من العاصمتين. في هذه اللحظة، يصبح منطق “الكرامة القومية” و”عدم الظهور بمظهر الضعيف” أقوى من منطق “التكلفة والعائد”، فيُدفع الطرفان إلى تصعيد متدحرج لا يريدانه، تماماً كما حدث في صيف 1914.

جوهر الفخ إذن ليس في نية الحرب، بل في بنية الموقف: قوة صاعدة ترى أن التاريخ يسير لصالحها فتستعجل الاعتراف، وقوة مهيمنة ترى أن الزمن لا يعمل لصالحها فتستبق الخسارة. بين الاستعجال والاستباق، يسقط العقل الجيوسياسي في الهاوية.
تعقيدات القرن الواحد والعشرين: لماذا الفخ أخطر وأعقد
رغم تشابه النمط، هناك 4 متغيرات بنيوية تجعل “فخ القرن 21” مختلفاً نوعياً عن كل السوابق التاريخية:
الاعتماد الاقتصادي المتبادل العميق: القوى الكبرى اليوم مرتبطة بسلاسل توريد وأسواق مالية مشتركة. الحرب الشاملة بينها لم تعد نصراً وهزيمة، بل انتحاراً اقتصادياً متبادلاً مضموناً.
الردع النووي والاستراتيجي: وجود أسلحة الإفناء الشامل حوّل “الحرب الساخنة” بين القوى النووية إلى خيار غير عقلاني. هذا لا يلغي الفخ، بل يزيحه نحو الحروب بالوكالة، والحروب السيبرانية، وحروب الاستنزاف الاقتصادي.
ساحات الصراع الجديدة: الهيمنة لم تعد تُقاس بالبوارج فقط. اليوم المعركة الحاسمة على خوارزميات الذكاء الاصطناعي، سلاسل إنتاج أشباه الموصلات، حوكمة البيانات، والبنية التحتية الفضائية. السيطرة هنا صامتة لكنها تحدد موازين القوة لعقود.
تعدد الأقطاب الفعلي: النظام الدولي لم يعد ثنائياً. قوى متوسطة صاعدة وأقاليم كاملة تمتلك حق الفيتو الاقتصادي والسياسي. هذا يعقّد حسابات الردع، ويخلق هوامش مناورة، لكنه يزيد أيضاً من احتمالات سوء التقدير.

مسارات المستقبل: ثلاث نهايات محتملة للفخ
السيناريو الأول: السقوط في الفخ – الحرب الكبرى
حادث غير محسوب في منطقة رمادية يؤدي إلى تصعيد متبادل. بسبب الترابط، لن تكون حرباً إقليمية محدودة، بل زلزالاً جيوسياسياً يضرب الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا عالمياً. صمام الأمان الوحيد هو وجود خطوط اتصال عسكرية-سياسية مفتوحة ودائمة بين القيادات.
السيناريو الثاني: الحرب الباردة الممتدة – التعايش الخطير
هو المسار الأرجح. فصل تقني واقتصادي، عقوبات متبادلة، سباق تسلح نوعي، وإعادة تحشيد الأحلاف. العالم يتجنب الحرب المباشرة، لكنه يدفع ثمنها بتفكك العولمة وانقسام النظام الدولي إلى كتلتين متنافستين.
السيناريو الثالث: الهروب من الفخ – التسوية التاريخية
هو الاستثناء النادر تاريخياً. يتطلب 3 شروط بنيوية: تكيف القوة المهيمنة مع نهاية الأحادية المطلقة، ومسؤولية القوة الصاعدة بإثبات أن طموحها “المكانة” لا “الهيمنة البديلة”، وهندسة قواعد جديدة وخطوط حمراء واضحة لإدارة التنافس.
مناطق الظل: أين يتموضع اللاعبون غير الكبار؟
مناطق النفوذ التقليدية والأسواق الصاعدة ليست متفرجاً في هذا الفخ، بل هي ساحته الرئيسية: معضلة الطاقة والموارد، معركة الممرات والبنى التحتية، والحرب التقنية بالوكالة. القوى الذكية في هذه المناطق تتبنى “اللا انحياز الاستراتيجي”: تعظيم الشراكات الاقتصادية المتعددة، وتنويع الضمانات الأمنية، ورفض التورط في صراع صفري ليس صراعها.
الفخ ليس قدراً، بل اختبار للقيادة:
فخ ثوقيديدس يثبت أن البشر يكررون أخطاءهم عندما يقودهم الخوف والكبرياء بدل العقل والمصلحة. 75% من الحالات انتهت بحرب، لكن 25% نجت. الفارق الوحيد صنعه القادة الذين أدركوا الفخ وقرروا كسر حلقته.
الوعي بالفخ هو الخطوة الأولى لتجنبه. الحرب الشاملة بين القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين لن تكون تكراراً لحرب أثينا. ستكون أسوأ بما لا يقاس. ولأنها أسوأ، قد يكون هذا هو السبب الوحيد الذي يجعلها لا تحدث.
“الحرب شيء رهيب، لكن فقدان الفاعلية التاريخية أسوأ” – استلهاماً من ثوقيديدس.
التحدي الجيوسياسي اليوم: كيف ندير تنافساً حتمياً دون أن نسقط في حرب لا يريدها أحد؟