عبقرية الفوضى وسياسة السقوط الحر!!! حين تصبح الكارثة هندسة، والانهيار مشروعاً!!

 

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود *
التاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم. يكتبه أحياناً مهندسو الخراب الذين أتقنوا فن تحويل الفوضى إلى عقيدة، والسقوط إلى استراتيجية.

أولاً: عبقرية الفوضى – منطق الهدم الخلّاق:
الفوضى ليست نقيض النظام، بل هي نظام آخر له منطقه الداخلي الصارم. عبقريتها تكمن في قدرتها على تذويب اليقين. حين تعجز عن التمييز بين الثورة والفوضى، بين التحرير والاجتياح، بين الصديق والعدو، تكون قد وقعت في مصيدة “اللايقين الممنهج”.
هذه ليست فوضى الغوغاء التي تحدث عنها غوستاف لوبون. هذه فوضى النخبة. تُدار من غرف باردة، بخرائط ومخططات، بأرقام وإحصاءات. غايتها الأولى: تفكيك البنى الصلبة. دولة، هوية، ذاكرة جمعية، اقتصاد منتج. كل ما هو متماسك يجب أن يُسَيّل، كل ما هو راسخ يجب أن يُخلخل.

أدواتها معروفة لكنها تتجدد: خطاب يقدّس الهويات القاتلة على حساب الهوية الجامعة، إعلام يحوّل الاستثناء إلى قاعدة والقاعدة إلى استثناء، أزمات اقتصادية تُدفع ككرة الثلج حتى تتحول إلى انهيار جليدي، وحروب بالوكالة تجعل الدم رخيصاً والمعنى أرخص.
في عبقرية الفوضى، الضحية الأولى هي الحقيقة. والثانية هي القدرة على التفكير.
ثانياً: سياسة السقوط الحر – أخلاقيات اللامبالاة:
إذا كانت الفوضى هي الفعل، فالسقوط الحر هو الامتناع عن الفعل. هو أن ترى البناء يتصدع وتختار ألا تضع دعامة. أن ترى الطائرة تهوي وتقرر ألا تمسك بالمقود.
لماذا؟ لأن هناك من اكتشف أن كلفة الترميم أعلى من كلفة البناء من جديد. أن إصلاح نظام متهالك، بكل شبكات مصالحه وتعقيداته، مهمة مستحيلة. الأسهل هو تركه يسقط. السقوط الحر يكنس الطاولة. يلغي الديون، يسقط الشرعيات، ينهي العقود الاجتماعية القديمة.
فيزياء السياسة تقول: الجسم الساقط يكتسب زخماً. وكلما طال السقوط، زاد الارتطام. والارتطام هو اللحظة الذهبية لمهندس النظام الجديد. يأتي على حصان أبيض، لا لينقذ الضحايا، بل ليفرض شروط النجاة. دستور جديد، اقتصاد جديد، تحالفات جديدة. والثمن؟ سيادة منقوصة، ثروات منهوبة، وذاكرة مثقوبة.
ثالثاً: نقطة الالتقاء – هندسة العصر:
عندما تتلاقى عبقرية الفوضى مع سياسة السقوط الحر، لا نكون أمام صدفة تاريخية، بل أمام مشروع حضاري مضاد. مشروع يؤمن أن العالم القديم يجب أن يموت، وأن ولادة الجديد تستوجب مخاضاً دموياً.
هنا تصبح الجغرافيا مسرحاً، والشعوب كومبارس، والدول أحجار شطرنج. تُستباح الأوطان باسم “إعادة التموضع”، وتُفكك المجتمعات باسم “حق تقرير المصير”، وتُنهب الموارد باسم “الأسواق الحرة”.
الفخ الثوسيديدي الذي تحدثنا عنه سابقاً ليس قدراً. هو أحياناً قرار. قرار قوة صاعدة بأن تسرّع السقوط، وقرار قوة مهيمنة بأن تجعل سقوطها مدوياً تأخذ فيه الجميع معها.

ما بعد السقوط:

السؤال ليس: هل ستسقط الأنظمة ؟ السؤال: من سيكتب قواعد ما بعد السقوط؟
الفوضى لا تولّد الحرية إلا نادراً. غالباً ما تولّد طاغية جديداً، أو وصاية خارجية، أو حرباً أهلية لا تنتهي. والسقوط الحر لا يضمن النهوض. قد ينتهي بك في الهاوية، بلا دولة، بلا هوية، بلا ذاكرة.
المقاومة الحقيقية اليوم ليست في حمل السلاح فقط، بل في حمل الوعي. أن تفهم أن الفوضى خطة، وأن السقوط قرار. أن ترفض أن تكون وقوداً في محرقة الآخرين. أن تبني شبكة أمانك الخاصة: وعي نقدي، اقتصاد منتج، مجتمع متماسك.
لأن البديل عن هندسة الفوضى، هو فوضى الهندسة. والبديل عن السقوط الحر، هو الهبوط الاضطراري الذي ينجو فيه من يملك مظلة.
والتاريخ، هذا القاضي الأعمى، لا يرحم من يسلّم مصيره لعبقرية الآخرين.

———————————-

*كاتبة وأستاذة جامعية