زرّ الهَلَع أداة من عمر الكيان..!
خاص – ” الدنيا نيوز”
بقلم : العميد منذر الايوبي*
في النظام السياسي اللبناني لا حاجة لكثير بحثٍ عن عوائق حُكم او استكشاف أنماط سلوك، فالكل في الهمِ شرق..ثمة آلية تشغيل ثابتة تُفعَّل كلما اقترب النقاش من ملفات تمسّ بنية السلطة، او تعريف دور الدولة. هذه الألية ليست نتاج انفعال عفوي ولا ردّ فعل جماهيري، بل إجراء سياسي محسوب، يمكن توصيفه بدقّة أنه «زرّ الهَلَع»..!
وسيلة تُفعَّل في لحظات معدودات عبر إشارات مدروسة: خطاب تهديد مبطّن، تسريب إعلامي موجَّه، إعادة إحياء سرديات وجودية او دينية قديمة ..الخ. فيما الهدف ليس حربآ أهلية مفتوحة سيما بعد دروس عام 1975، بل تعبئة جزئية او شاملة تثير عصبيات وترفع منسوب القلق إلى مستوى كافٍ لتعطيل النقاش العقلاني وتوطيد هيمنة دون كلفة أمنية مباشرة..!
الفيلسوف الألماني Peter Sloterdijk، أحد المفكرين الذين تطرقوا الى “مسألة الهلع”، إعتبر أنّ الإبقاء على هذا العنصر والمحافظة عليه بكلّ السّبل، هو احد أسباب وجود الحضارات، قيامها واستمرارها.. لكن في الحالة اللبنانية لا قُراءُ فلسفة او دارسي علوم السياسة، فالأمور سائرة ببداهة التجربة متكئة على حراس النظام الهجين..!
ثم ان هذه الآلية تتبلور بإستخدام الأداة الأهم (الطائفية) حيث تؤدي وظيفتها التشغيلية بكفاءة موصوفة. هي لا تعمل كهويّة أو عقيدة، بل كقناة تواصل سريع يضاعف هواجس ويثير رهبة. فعند تفعيل زرّ الهلع، يُعاد توجيه أي ملف عام من سؤال الجدوى والمصلحة إلى إستفهام عن توازنات مفترضة وحصص موزعة، ما يؤدي عمليًا إلى إقفال المسار السياسي والإصلاحي غالبآ، كما القضائي احيانآ قبل بدء المحاسبة..
كما ان الدين، يُستثمر كعنصر تثبيت نفسي؛ هو لا يُستدعى بكامل منظومته القيمية، بل عبر رموز جاهزة وقابلة للتشغيل في لحظات الشَّد او التوتر الإجتماعي والسياسي . هذا الاستخدام لا يهدف إلى الإقناع بالصَح والصَلاح بقدر ما يهدف إلى تحصين الجماعة ومنع التصدّع الداخلي عند كل اختبار.
إذ عندما تفشل الدولة الحلول مكان الدين او محاكاة مبادئه كمنتِج للعدالة والشرعية، لا يختفي المقدّس، بل يعود في صيغة مشوّهة: هوية دفاعية، وسيلة تفرقة، وملاذ نفسي. هنا لا يعود الدين عامل تحول وتطوير بل مانع تفكك الصيغة، وعنصر استقرار شكلي يخدم بقاء النظام أكثر مما يخدم المجتمع..!
إستتباعآ؛ يُدار مفتاح الهلع عند كل مفصل او فرصة قد تسمح بتطوير نظام : موازنة تبحث عن توازن لا تُطعم شعبآ ولا تُغنِ من جوع؛ إصلاح إداري عاجز عن اقتلاع فساد، وملفات سيادية معلقة على مَنشَر الإقليم، كما مُساءلة دستورية او قانونية.. لتكون النتيجة الثابتة: خفض سقف النقاش، توسيع هامش التوجّس، وتأجيل دائم لأي قرار تحت عنوان الحفاظ على الصيغة والتعايش الفريد..!
المحصلة؛ هذا النمط من الحكم لا يُنتج حلولًا، بل يشتري وقتًا. والوقت هنا يُستخدم لإعادة تثبيت موازين القوى القائمة لا لمراجعة او تصويبِ أداء.
في التقدير الاستراتيجي اثبت الكيان بكامل مكوناته ان الإفراط في تشغيل زرّ الهلع يُضعف الدولة على المدى المتوسط، يُراكم خوفًا ويزيد قابلية المجتمع للاهتزاز عند أي صدمة فعلية..!
لبنان لا يواجه فائض تهديد خارجي رغم تموضع جغرافي حساس، بقدر ما يواجه فائض استخدام داخلي لآليات الخوف؛ ومع كل ضغط إضافي تنتج نوبة هلع، تقلّص المسافة بين إدارة الأزمة أو صناعة الأزمة نفسها..
——————————
*عميد متقاعد؛ كاتب