دبلوماسية الإنتحار الأنيق…

 

خاص -“الدنيا نيوز”

 

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

في مائدةِ السياسة، هناك لاعبان:
الأولُ يخفي أوراقه في كمّ معطفه، يبتسمُ ويهمس، ويتركُ خصمَه يخمّن. يربحُ أحيانًا، ويخسرُ أحيانًا، لكنه يظلُّ لاعبًا.

أما الثاني… فيدخلُ القاعةَ وقد نشرَ أوراقَه كلّها على الطاولة.
“تفضلوا، هذه نواياي، وهذه خطوطي الحمراء، وهذا ما أخشاه، وهذا ما أريده.”
يظنُّ أن الشفافيةَ فضيلة، وأن الصدقَ استراتيجية.

المشكلة؟
في الدبلوماسية، الأوراقُ المكشوفةُ لا تُكسِبُ احترامًا… تُكسِبُ طمعًا.
خصمُك لا يصفقُ لنبلك. خصمُك يدرسُ نقاطَ ضعفِك المكتوبة بخطّ يدك، ثم يبتسم، ويطلبُ “جولةً أخرى”.

*لماذا يكشفُ البعضُ أوراقَه؟*

1. *وهمُ الثقة*: يعتقدُ أن “العالم تغيّر” وأن النوايا الطيبةَ تُشترى بالنوايا الطيبة. نسيَ أن الذئابَ لا تتحوّلُ إلى حملانٍ لأنّ الحملَ قرّرَ أن يخلعَ صوفَه.

2. غريزةُ التطبيلِ الدبلوماسي: بعضُهم لا يكشفُ أوراقَه للخصم… بل للجمهور. يريدُ تصفيقَ الداخل، ولو كلّفَه خسارةَ الخارج. “انظروا كم نحن شفّافون!” والنتيجة؟ خسرَ اللعبة، وكسبَ تغريدة.

3. الإفلاسُ التكتيكي: من لا يملكُ أوراقًا قوية، يرفعُ ما لديه عاليًا ويقول: “هذا كلُّ ما أملك”. يسمّيها “وضوحًا استراتيجيًا”. والواقعُ يسمّيها: استسلامًا مُغلّفًا بالسوليفان.

4. التطبيعُ مع الخسارة: اعتادَ أن يخسر، فصارَ يخسرُ بأناقة. يفتحُ أوراقَه قبل أن يطلبها أحد، كمن يخلعُ درعَه في ساحةِ الحرب ويقول: “أنا مسالم”.

النتيجة؟

اللاعبُ ذو الأوراقِ المكشوفة لا يُهاب. يُستغلّ.
يتحوّلُ من “طرفٍ تفاوضيّ” إلى “قائمةِ تَسوّق” لخصومِه.
كلُّ بندٍ في أوراقِه المكشوفة، هو تنازلٌ مؤجّل.

في السياسة، الغموضُ البنّاءُ ليس كذبًا. هو أن تترك للآخر أن يقلق، أن يحسب، أن يخطئ في تقديرك.
أما الوضوحُ المفرط؟ فهو أن تقدّمَ رقبتَك، وتطلبَ من الآخرِ أن “يُراعيَ شعورَك” وهو يذبح.

ختامًا:
تحيّةٌ لكل من يلعبُ بشرف، لكن بشرفٍ مسلّح.
أما هواةُ الأوراقِ المكشوفة… فالطاولةُ لا ترحمُ السُّذّج.
والعالمُ لا يكافئُ الصادقين… يكافئُ الأذكياء.

———————————————

كاتبة واستاذة جامعية، مديرة الابحاث الفكرية والعلمية في “الدنيا نيوز”