المارد الصيني إستيقظ … وأحادية الهيمنة الأميركية تنحسر

 

خاص – “أخبار الدنيا”

 

بقلم العميد منذر الأيوبي *

هي القمة الثانية بين الرئيس الاميركي ونظيره الصيني، كما هي الأولى في ولاية ترامب الثانية؛ ثم انها لا تُقرأ ضمن حدود البروتوكول الدبلوماسي أو الخلافات التجارية التقليدية، بل إنعكاسا للتحولات العميقة، تعصف في بنية النظام الدولي واتجاهات القوة فيه.
كما انها تاليا لا تختصر لقاءً بين أكبر اقتصادين في العالم، بقدر ما تمثل إختبارآ لطبيعة المرحلة التاريخية التي يعبرها العالم. ليصُح السؤال الاساس: هل لا تزال الولايات المتحدة قادرة على قيادة النظام الدولي منفردة.؛؟ أم دخلنا فعليًا مرحلة تثبيت التعددية القطبية بصورة مكتملة…؟

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، عاشت الولايات المتحدة ما يشبه “اللحظة الإمبراطورية”، حيث جمعت بين التفوق العسكري، الهيمنة المالية، القدرة التكنولوجية والنفوذ السياسي العالمي. غير أن المفارقة التاريخية المُلفِتة تمثلت في أن العولمة التي قادتها واشنطن بنفسها ساهمت تدريجيًا في إنتاج منافسين قادرين على تقليص هامش تفوقها، وفي مقدمتهم الصين.

من الواضح ان بكين لم تعد مجرد “مصنع العالم”، بل تحولت مشروع قوة شاملة يعمل بصبر استراتيجي طويل النفس. تفادت مواجهة مباشرة مع الغرب سيما على مفصل الأرخبيل التايواني ، ولم تسعَ إلى إسقاط النظام الدولي دفعة واحدة، بل اختارت التغلغل داخله وتطويع آلياته الاقتصادية والتكنولوجية لمصلحتها. ولعلّ ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان المقولة المنسوبة إلى نابليون بونابرت: «دعوا الصين نائمة، فإذا استيقظت هزّت العالم»، إذ يبدو أن بكين لم تستيقظ اقتصاديًا فقط، بل بدأت تتحرك بوصفها قوة تسعى إلى إعادة تعريف موازين القرن الحادي والعشرين.

انطلاقآ مما تقدم؛ تعتبر القمة الأخيرة أبعد بكثير من مجرد إدارة خلافات ثنائية، إذ تعكس إدراكًا أميركيًا متزايدًا بأن احتواء الصين بالكامل أصبح مهمة شبه مستحيلة. فبعد سنوات من العقوبات والحصار التقني والحرب التجارية ومحاولات تطويق النفوذ الصيني، لم تتراجع بكين، بل ازدادت استقلالية وتطورآ، وبالتالي وسّعت حضورها الاقتصادي والسياسي.

غير أن التحدي الأخطر بالنسبة لواشنطن لا يكمن فقط في الصعود الاقتصادي، بل في قدرة بكين على تقديم نموذج مختلف، تحاول من خلاله تكريس معادلة تقول إن بالإمكان تحقيق التقدم التكنولوجي والنمو الاقتصادي والاستقرار السياسي خارج النموذج الليبرالي الغربي. هنا يصبح الاشتباك أعمق من مجرد تنافس على الأسواق أو النفوذ، ليتحول إلى صراع على تعريف الحداثة نفسها ومعايير القوة.

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة وكأنها انتقلت من استراتيجية “الهيمنة المطلقة” إلى “إدارة التفوق النسبي”. أي أن هدفها لم يعد فرض الأحادية كما بعد الحرب الباردة، بل منع ظهور قوة قادرة على تقليص تفوقها الاستراتيجي. وعليه تسعى واشنطن إلى إدارة التنافس، مع محاولتها ضبط إيقاع التحول الدولي بدل الانزلاق إلى مواجهة كبرى غير مضمونة النتائج.

ولعلّ ما يفسّر هذا الحرص المتبادل على إبقاء الصراع تحت سقف الاحتواء، تلميح الرئيس (شي جين بينغ) إلى تفادي ما يُعرف في أدبيات الجيوبوليتيك بـ«فخ ثوسيديديس» Thucydides’ Trap. أي ذلك الاحتمال التاريخي الذي يجعل الصدام أكثر ترجيحًا عندما تقترب قوة صاعدة من مزاحمة قوة مهيمنة.
فواشنطن تدرك ان القفزة الهائلة للتنين الصيني باتت غير قابلة للإلغاء او الفرملة، توازيآ تدرك الصين أن الانتقال المتسرّع من موقع الشريك الاقتصادي إلى موقع الندّ الجيوسياسي قد يدفع العالم نحو مواجهة كبرى لا يريدها أحد.

هنا تبدو مقاربة هنري كيسنجر للصين شديدة الدلالة، إذ اعتبر أن بكين لا تفكر بمنطق المواجهة السريعة، بل بمنطق الزمن الطويل، وهو ما يفسر طبيعة الصعود الصيني الهادئ والمتدرج، القائم على تراكم عناصر القوة بدل استنزافها في صدامات مبكرة.

ثم إن الترابط الاقتصادي بين القوتين غير مسبوق تاريخيًا. فالولايات المتحدة تحتاج السوق الصينية، والصين تحتاج النظام المالي العالمي الذي لا تزال واشنطن تمسك بمفاصله الأساسية. ولعلّ المفارقة الأهم أن واشنطن نفسها، عبر العولمة والانفتاح الاقتصادي، ساهمت تاريخيًا في تسريع صعود الصين واكتسابها أدوات القوة داخل المنظومة ذاتها التي قادتها لعقود.

ثم ان تراجع مركزية الجغرافيا التقليدية، ومفاهيم الصراع على احتلال الأرض وسلب الثروات سقط امام استراتجية السيطرة على المستقبل. فمن يمتلك الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والطاقة، والبيانات، وسلاسل الإمداد، والفضاء السيبراني، هو الأقدر على تحديد إيقاع القرن المقبل وفرض معاييره على الآخرين.

ورغم هذا التقدم المتسارع، فإن بكين لا تزال تواجه تحديات بنيوية معقدة، من تباطؤ النمو والشيخوخة السكانية إلى الضغوط الجيوسياسية المتزايدة في محيطها الإقليمي. وهو ما يعني أن الانتقال إلى نظام دولي جديد لن يكون مسارًا خطيًا أو حتميًا، بل عملية طويلة مليئة بالمطبات والاختبارات. ورغم أن الولايات المتحدة لا تزال القوة الأكثر تأثيرًا عالميًا، فإنها لم تعد قادرة على احتكار القرار الدولي منفردة، فيما تواصل الصين تقدمها كقوة تسعى إلى انتزاع الاعتراف بها شريكًا مكافئًا في رسم قواعد النفوذ العالمي.

في المحصلة، قد لا تكون القمة الأميركية ـ الصينية إعلانًا رسميًا لنهاية الأحادية الأميركية، لكنها بالتأكيد إعلان واضح بأن العالم دخل مرحلة لم يعد فيها ممكنًا لأي قوة، مهما بلغت، أن تقود النظام الدولي وحدها.
إذ ان المعضلة الكبرى لم تعد في من سيرث قيادة العالم، بل في كيفية إدارة التنافس بين القوى الكبرى دون انهيار قواعد الاستقرار الدولي نفسها. التاريخ يُظهر أن صعود القوى الجديدة ليس وحده ما يصنع الفوضى، بل عجز القوى القديمة عن الاعتراف بأن زمن الهيمنة المطلقة قد أصبح جزءًا من الماضي.

———————————

عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية.