القراءات المبتورة للواقع السياسي اللبناني تفكك النسيج الاجتماعي
خاص – “اخبار الدنيا”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
لم يعد توصيف لبنان بـ“الخاسر الأكبر” مجرد قراءة متشائمة لمسار الحرب، بل تحوّل تدريجيًا إلى خطاب سياسي متكامل الأبعاد، يُعاد إنتاجه وترويجه تحت عنوان التحليل، فيما هدفه الفعلي إعادة صياغة الأزمة بما يخدم خلاصات مسبقة. وعليه، لا تكمن الإشكالية في التحذير من الخسائر— فهي واقعة لا مفرّ منها—بل في اختزال أسبابها ضمن عامل واحد، وكأن لبنان خارج منظومة صراعات إقليمية معقّدة تتجاوز قدرته على التحكم بمساراتها.
غير أن تفكيك هذه المقاربة لا يكتمل من دون مواجهة حقيقة موازية؛ إذ إن إشكالية “قرار الحرب والسلم” ليست تفصيلًا عابرًا، بل تمسّ جوهر النظام السياسي. فوجود قوة عسكرية فاعلة خارج الإطار المؤسسي لا يطرح إشكالًا نظريًا حول السيادة فحسب، بل يُضعف إمكانية إنتاج موقف وطني متماسك في لحظات الأزمات.
من هنا، لا يعود النقاش حول سلاح حزب الله مجرد مادة سجالية، بل تعبيرًا عن خلل بنيوي مزدوج: دولة عاجزة عن إدماج عناصر القوة ضمن رؤية وطنية واضحة، وواقع سياسي يوظّف هذا السلاح في توازناته الداخلية بقدر ما يبرّره في سياق الصراع الإقليمي. تجاهل أي من هذين البعدين يُنتج قراءة مبتورة، كما أن تضخيم أحدهما على حساب الآخر يقود إلى استنتاجات مضلِّلة.
في المقابل، فإن تحميل المكونات السياسية والطائفية كامل المسؤولية يتجاهل أن لبنان يقع ضمن مسرح اشتباك مفتوح، تتقاطع فيه حسابات تتجاوز حدوده. وضمن هذا السياق، يتحوّل البلد بحكم تركيبته الهشّة؛ ساحة تفاعل أكثر منه مركز قرار مستقل، دون أن يعني ذلك انعدام هامش المناورة، بل تضييقه، وفق ما تسمح به الظروف…
أما على المستوى الميداني، فإن طرح سيناريوهات من نوع “المنطقة الآمنة” داخل الأراضي الجنوبية يستدعي قراءة تتجاوز منطق القدرة العسكرية الإسرائيلية المجرّدة. فمثل هذا الخيار، وإن كان ممكنًا من حيث التنفيذ، يرتبط بكلفة بشرية وسياسية مرتفعة، وبصعوبات تتعلق بإدارة تمركز طويل الأمد في بيئة معادية، ما يجعله أقرب إلى أداة ضغط منه إلى خيار استراتيجي مريح.
داخليًا، لم يعد الخطر مقتصرًا على تداعيات الحرب، بل بات يتمثل في التآكل التدريجي للإطار الوطني الجامع. فالانتقال من توصيف الانقسام إلى التشكيك بإمكان التعايش يعكس خللًا عميقًا في البنية الوطنية. وهنا تتقدّم مسؤولية الطبقة السياسية التي لم تكتفِ بالعجز عن احتواء الانقسام، بل ساهمت في كثير من الأحيان في استثماره، ما يرفع منسوب المخاطر المرتبطة بتفكك النسيج الاجتماعي.
في البعد الإقليمي، لا تتجه المؤشرات نحو حسم قريب. فإيران تُظهر قدرة على التكيّف وإدارة الصراع عبر أدوات متعددة، لكنها تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا اقتصادية وحدودًا موضوعية. أما إسرائيل، فبالرغم من تفوقها العسكري، تخوض مواجهات متزايدة الكلفة ضمن بيئة أكثر تعقيدًا. وبين هذين الحدّين، تتقلص مساحة الحركة أمام الدول الرخوة.
تاريخيًا، لم يكن لبنان قادرًا على الحياد الكامل، لكنه لم يكن أيضًا بلا تأثير. فقد وُجدت دائمًا هوامش لإدارة التوازن بين الداخل والخارج. إلا أن هذه الهوامش تتعرض اليوم لعامل إكراه مزدوج: تصعيد إقليمي من جهة، وانقسام داخلي حاد حول طبيعة الدور من جهة أخرى.
في التقدير القريب، ستبقى الساحات مترابطة، ويستمر استخدام لبنان ضمن منظومة الضغط المتبادل، ما يُبقيه لاعبًا هامشيًا يتأثر أكثر مما يؤثر. إذ لا تشير المعطيات إلى حسم عسكري شامل، بل إلى استمرار نمط حرب نشطة لكن مضبوطة (Controlled Conflict)، تحكمها حسابات الكلفة والردع. وعليه، تبقى الجبهة الجنوبية في حالة اشتباك دائم قابل للتصعيد الموضعي.
بالتزامن يتعرض البلد لمزيد من الضغوط:
ميدانيًا، عبر تكثيف العمليات، مع احتمالات دفع نحو اجتياح محدود حتى حدود الليطاني، بما يعزز مناخ الخشية من فرض وقائع ميدانية أو شروط تفاوضية قاسية.
وسياسيًا، عبر تصاعد النقاش حول السلاح ودور الدولة، مقابل تنامي خطاب “استحالة التعايش”، مع تحوّل ملحوظ في المزاج الاجتماعي.
ورغم ذلك، لا تبدو أي من القوى الداخلية مستعدة للذهاب نحو انفجار شامل، في ظل إدراك متبادل لكلفة هذا الخيار. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في التآكل البطيء للمؤسسات، وتراجع الثقة بالدولة، ما قد يفتح الباب أمام طروحات أكثر حدّة إذا استمر دون احتواء.
الخلاصة الاستراتيجية: لا تُختزل أزمة لبنان بعامل واحد، ولا تُفهم ضمن مسار خطّي. فهي نتاج تداخل غير مستقر بين قرار داخلي غير مكتمل، وثقل خارجي يتجاوز قدرة البلد على تحمّله. إشكالية القرار السيادي واقع لا يمكن تجاهله، لكنها لا تُعالَج بتحويلها إلى صراع مفتوح، كما لا تُحل بإنكارها. فالمساران يقودان إلى النتيجة نفسها: إضعاف ما تبقّى من قدرة على التنظيم الوطني.
في لحظة تقاطع بين ضغوط الإقليم الملتهب والبنية الوطنية المُفككة، لم يعد الخطر في الحرب بحد ذاتها، بل في غياب القدرة على تحديد موقع لبنان منها—وهنا تحديدًا يتقرر إن كان سيتأثر بالصراع… أم يُسحَق به.
——————————
عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية