خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود
حين يلد الصندوق وحشاً
ليست الديمقراطية فضيلةً، بل مقامرة. مقامرةٌ على أن الإنسان، إذا مُنح حرية الاختيار، سيختار ما لا يقتله. لكن مأساة القرن العشرين والواحد والعشرين أثبتت أن الصندوق قد يلد جلّاده. وهنا انشطرت النظرية السياسية إلى شقين: شقٌ يرى في ذلك خللاً عارضاً، وشقٌ يراه كشفاً لعورة البنية ذاتها. هذه المقالة تنحاز إلى الشق الثاني. إن مشكلة الديمقراطية ليست في أنها تسمح بوصول “المتطرف”، بل في أنها مرآةٌ صقيلة تعكس قبح المجتمع الذي أنجبه.
أولاً: في تشريح المفارقة — بوبر، فوكو، وسؤال السلطنة
أطلق كارل بوبر على هذا المأزق اسم “مفارقة التسامح”: إن تسامحت مع غير المتسامحين دون قيد، فإنك تحكم على التسامح بالإعدام. لكن بوبر، بوصفه ابناً للتنوير، ظلّ يؤمن بإمكانية رسم “الحد”. وهنا يتدخل مشرط ميشيل فوكو ليشرّح الوهم.
فوكو لا يرى الديمقراطية نظامَ حكمٍ بقدر ما يراها “خطاباً”. والخطاب، في معجمه، ليس كلاماً، بل هو سلطةٌ تُنتج حقيقتها. الديمقراطية تنتج “الحقيقة الرسمية” عبر آلية الأكثرية. فمن امتلك خمسين بالمئة زائد واحد، امتلك الحق في تسمية العالم. السؤال الفوكوي الحارق إذن: ماذا لو كانت “الحقيقة” التي أنتجتها الأكثرية هي ضرورة إلغاء شروط إنتاج الحقيقة ذاتها؟ إن السلطة الديمقراطية، كأي سلطة، عمياء عن نواياك. هي تبصر آلياتك فحسب. فإن أتقنت قواعد اللعبة، مُنحت حق هدمها.
من هنا، فإن “وصول المتطرف” ليس اختراقاً للديمقراطية، بل هو تتويجٌ لمنطقها الداخلي. إنه اللحظة التي يكشف فيها الخطاب عن وجهه غير البريء: هو لا يضمن العدالة، بل يضمن إجراءات الوصول إلى السلطة. والمفارقة أن من يصرخ اليوم محذراً من “خطر الشعبوية” هو غالباً سادنٌ لخطاب نخبوي كان قد صادر “الحقيقة” قبلهم.

ثانياً: من هو “المتطرف”؟ ادوارد سعيد والاستشراق الداخلي
إن الخطر الإبستمولوجي الأعمق لا يكمن في المتطرف، بل في فعل “التسمية”. من يملك سلطة تعريف “التطرف”؟
هنا يصبح إدوارد سعيد دليلنا. فالاستشراق، في جوهره، لم يكن خطأً في المعلومات، بل كان احتكاراً للتمثيل. “المستشرق” هو من يملك حق القول: “هذا هو الشرق”. وبالمماثلة، فإن “حارس المعبد الديمقراطي” هو من يملك حق القول: “هذا هو المتطرف”.
نيلسون مانديلا كان “إرهابياً” في معجم ديمقراطية الفصل العنصري. والجزائريون كانوا “فلّاقة” في معجم الجمهورية الفرنسية الرابعة. إن تهمة “التطرف” هي السلاح الأشد فتكاً في ترسانة المركز. بها يرسم دائرة “المقبول”، ويدفع كل من عداه إلى هامش التوحش.
وهذا هو “الاستشراق الداخلي” الذي نمارسه اليوم. كل تيار سياسي يصنع “شرقاً” خاصاً به: يرسم خصمه في صورة كاريكاتورية كاملة، مغلقة، يقينية. ثم يعلن الحرب المقدسة عليه باسم “حماية الديمقراطية”. نحن لا نتحاور مع بشر، بل نتحارب مع صور أنتجناها بغرورنا المعرفي. نصبح، بمنطق سعيد، *”أوصياء يسقطون”*: خطابنا عن إنقاذ المجتمع هو الذي يمزقه. فحين يتحول “الدفاع عن الديمقراطية” إلى ذريعة لإلغاء شروطها، فإننا نكون قد حققنا للمتطرف نبوءته دون أن يحكم.
ثالثاً: أوهام الحلول الثلاثة ومرآة المجتمع
التاريخ السياسي قدّم ثلاثة أجوبة على هذه المفارقة، وكلها تحمل بذرة فنائها:
1. الديمقراطية المقيدة: نضع دستوراً فوق إرادة الأغلبية. لكن السؤال الفوكوي يعود: من كتب الدستور؟ أليست “الحقوق الأساسية” ذاتها نتاج خطابٍ وسلطةٍ في لحظة تاريخية ما؟ إن “تقييد” الديمقراطية هو اعترافٌ بأننا لا نثق بها، ونستبدل استبداد الأغلبية باستبداد النص.
2. الطوق الصحي: عزل “الأحزاب المتطرفة” ومنع التحالف معها. هذا الحل أنتج في أوروبا نخباً سياسية متكلسة، تتقاسم السلطة وتقصي الغضب الشعبي. فكان “الطوق” هو الحبل السري الذي غذّى وحش الشعبوية وجعله يكبر في الظل.
3. الرهان على المجتمع : دع المتطرف يحكم ليفضحه فشله. رهانٌ نبيل ومخيف. ماذا لو كان المتطرف أذكى من أن يفشل؟ ماذا لو نجح في تفكيك آليات المحاسبة ذاتها قبل أن يسقط؟
إن هذه الحلول جميعها تفترض أن “المتطرف” جرثومةٌ خارجية. والحال أنه عَرَضٌ مرضي. هو ابنٌ شرعي لأزمة تمثيل. هو صرخة مجتمع شعر أن “الأوصياء” قد سقطوا. سقط خطاب الخبراء الذين ادعوا احتكار الحقيقة، واحتقروا “الجهلة” الذين لا يفهمون “مصلحتهم”.
الديمقراطية سؤالٌ لا جواب
إن السؤال الصادق ليس “كيف نمنع المتطرف من الوصول؟”. السؤال الأخلاقي، بمنطق سعيد، هو: *أي غرور معرفي، أي استشراق نمارسه نحن، قد أنتج “الآخر” الذي صرنا نخافه؟*
المتطرف لا يأتي من الفراغ. يأتي من الهامش الذي صنعناه. من الإقصاء الذي بررناه. من اليقين الذي سجنا فيه أنفسنا. هو المرآة التي تعاقبنا لأننا رفضنا أن نرى وجوهنا فيها.
الديمقراطية، إذن، ليست نظاماً نهائياً، بل هي سيرورةٌ قلقة. ليست حلاً، بل هي الوعي بأن لا حل نهائي. إنها القبول بأن السؤال سيظل مفتوحاً، وأن “الحقيقة” لا يملكها أحد. وهذا تحديداً ما يمقته المتطرف. لكن، وهذه هي المفارقة القاتلة، هذا أيضاً ما يمقته “تاجر اليقين” الذي يحرس معبد الديمقراطية من الخارج.
كلاهما يكره السؤال. كلاهما يريد إغلاق النقاش. الأول باسم الغريزة، والثاني باسم المعرفة. وبينهما، تضيع الديمقراطية، لا لأنها ضعيفة، بل لأننا جبناء أمام مرآتها.
