أين تختبئ الحقيقة في زمن الحرب؟

خاص – “اخبار الدنيا”

 

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

الحقيقة لا تختفي تمامًا في الحرب، لكنها تنزوي خلف ضجيج القذائف وصراخ البيانات المتضاربة. أول ملجأ لها هو *الصمت اليومي للناس العاديين*:
أمٌّ تحسب خبزها المتبقي، طبيب يدوّن اسم جريح دون هوية، طفل يرسم بيتًا مدمرًا. هذه التفاصيل لا تصنع عناوين، لكنها تحفظ ما حدث فعلاً.
تختبئ الحقيقة داخل *الفجوة بين الروايتين*. كل طرف يروي الحرب كملحمة خلاص؛ الحقيقة تسكن الفراغ بينهما،في الأرقام التي لا تتطابق، في الصور التي يُحذف من زواياها خرابٌ لا يليق بالسرد الرسمي. من يجمّع قصاصات الطرفين يلمح ملامحها.
تختبيء الحقيقة في *الأرشيفات الصغيرة*: رسائل هاتفية محذوفة، دفاتر عيادات ميدانية، تسجيلات كاميرات مراقبة منسية. لا تظهر فورًا؛ تحتاج سنوات ليجرؤ أحدهم على فتحها. بعد كل حرب كبرى، تُعاد كتابة الفصول حين تتسرب هذه الأوراق.
لكن الحقيقة ليست كتلة واحدة تُكتشف. إنها *عملية تأليف بطيء*: شهادة تُنقّح بشهادة، صورة تُقارن بظلها، رقم يُضبط برقم. هي لا تنتصر في الخبر العاجل، بل في المثابرة على السؤال: من استفاد من هذه الرواية؟ ومن غاب عنها؟

 


في زمن الحرب، إذًا، لا تختفي الحقيقة؛ تتخفى في العادي والمهمَل والمتناقض.
التقاطها يحتاج صبرًا أقلّ للحسم، وأكثر للإصغاء.
وتبقى الحروب اكبر جريمة استلاب وجودي في تاريخ الإنسانية..!!
من المؤكد ان التاريخ لا يعيد نفسه …بل الثابت الوحيد ان الانسان لا حدود لغبائه ..!!


مأساة الحرب …أنها لا تُحدٌد في النهاية من المُصيب , بل من المُتبقي ..يتلطى البعض برداء الوطنية فيخونه وعيه أو تخونه محدودية إمكاناته، فيرتكب جميع المُحرّمات بحجة انها الحرب عندئذ يرحل ملوّثاً ب(وطنيّة) إلى حدّ العمالة أو ينال الاوسكار ب(الغباء الوطني)!!
تُقدّر خسائر الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية بأكثر من ٢٧ مليون قتيل ما بين مدني وعسكري منهم ٩ مليون من العسكريين.
يقدر المؤرخون الغربيون عدد القتلى في صفوف أسرى الحرب السوفيت بنحو ٣٠٠٠،٠٠٠ قتيل من إجمالي ٦،٧٠٠،٠٠٠ أسير سقطوا في أيدي القوات الألمانية ( تخيلوا ) و قُدّر عدد القتلى من جانب الاتحاد السوفيتي من الرجال المتراوح عمرهم ما بين ١٨ و ٤٠ عامًا بنحو ١٢،٠٠٠،٠٠٠ قتيل
وتصل أعداد القتلى في كل الحرب العالمية الثانية في أسوأ تقدير ٨٣ مليوناً من كل الدول المشاركة.
تُرى هل تعلمت البشرية أن هؤلاء كان من حقهم الحياة. وأن من حق الآخرين الحياة أيضاً؟

قطعا لا.

———————

* كاتبة واستاذة جامعية