المقاومون الجدد صيادو النخبة .. إستبدلوا الصاروخ الحراري بمُحلّقات الألياف البصرية
خاص – “أخبار الدنيا”
كنب محرر الشؤون العسكرية:
عندما تشكلت أولى فصائل المقاومة اللبنانية في التاريخ القريب لم يكن لدى النواة الاولى لرجال المقاومة، على اختلاف انتماءاتهم، سوى بعض بنادق اغلبها من البنادق القديم نوع “سومينوف” وهي بندقية روسية الصنع لا يتسع مخزنها لاكثر من خمس طلقات، ولا تطلق رشق من الرصاص انما تطلقهم طلقة طلقة.
تطورت المقاومة عبر الزمن وتطورت أساليبها، الى ان حملت المقاومة الاسلامية راية تحرير الارض في مطلع الثمانينيات على اثر الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982، وفي اجواء الانطلاقة عانى المقاومون من ندرة في السلاح والعتاد، ما جعل بعض المتذمرين يقولون لهم في حينه: “لا يمكنكم ان تحاربوا المخرز بعيونكم”، الا ان هذا التوهين لم يثبط من عزيمة المقاومين الذين بقوا مصرين على مشروعهم ومتكلين على الله، الى ان انتظمت لاحقاً عملية تسليح المقاومة من الكلاشنيكوف الى الصواريخ الذكية والبالستية وسواها.
وكما تطورت منظومة التسلح لدى المقاومة، كذلك تم تطوير نوعيات المقاومين، ومستوياتهم العلمية والحرفية واختصاصاتهم العسكرية، اضافة إلى ابتكاراتهم المستمدة من أراضي المعارك وحاجاتها العملانية.
ومع الجيل الجديد من المقاومين، أصبحت عمليات الانتاج الذاتي لوسائل القتال الحديثة عملية طبيعية حيث صار المقاومة مشروعاً ضخماً يضم مهندسين من مختلف الاختصاصات، ومبتكرين ومخترعين وباحثين، كما يضم فلاسفة واكاديميين وعلميين متبحرون في مجالات اختصاصاتهم.
مسار التطوير العسكري المتواصل في وسائل القتال مع الجيل الجديد للمقاومين انتج المحلقات المسيرة عن بُعد،(فبف) وهي التي حولت عملياً المقاوم الى صياد حقيقي، والمحتل الى فريسة سهلة.. كيف؟
خلال الاونة الاخيرة تعالت صرخات قوات الاحتلال الاسرائيلي ووسائل اعلامهم من ضربات المقاومين الموجعة لهم في جنوب لبنان، وقبلها في انحاء الكيان، بواسطة المحلقات المسيرة التي تسقط كالقدر المحتوم الذي لا يرد فوق رؤوس جنودهم وتقتلهم من دون ان يتمكنوا من ردها او اسقاطها او التعامل معها.

هناك عدة دلائل على حجم التذمر من محلقات المقاومة، نذكر منها على سبيل المثال ما ذكرته اليوم إذاعة الجيش الإسرائيلي ان “قادة وحدات قتالية في الجيش الإسرائيلي الذين يقاتلون حاليًا في لبنان عبروا عن إحباط كبير من تهديد الطائرات المسيّرة ومن قلة الوسائل المتاحة لدى الجيش للتعامل معها”.
ونقلت الاذاعة عن أحد القادة الذي يقاتل حاليًا في لبنان قوله: “ليس هناك الكثير مما يمكن فعله حيال ذلك. التوجيه الذي تتلقاه القوات يقتصر على: “كونوا يقظين، وإذا رصدتم طائرة مسيّرة أطلقوا النار عليها”.
وقالت الاذاعة ان “قضية مسيّرات حزب الله احتلت حيّزًا كبيرًا في نقاش منتدى القيادة العليا للجيش الإسرائيلي أمس في رامات دافيد. وقال قائد لواء المدفعية 282 الذي يقاتل حاليًا في لبنان، العقيد “ع”: “إن تهديد الطائرات المسيّرة يُعد تحديًا عملياتيًا كبيرًا نواجهه. نحن بحاجة إلى التفكير في كيفية تنظيم أنفسنا بشكل أفضل لمواجهة هذا التهديد”.
وفي سياق آخر ذكرت الإذاعة نفسها ان “بعض وحدات الجيش الإسرائيلي بدأت بالفعل بتطوير حلول بشكل مستقل لمواجهة تهديد الطائرات بدون طيار مثل نشر شبكات فوق المواقع والمنازل والنوافذ، بحيث تعلق الطائرة المسيّرة في الشبكة ولا تصيب هدفها. ويعترف ضابط يقاتل حاليًا في لبنان في حديث للاذاعة ان هذا حل مرتجل، بدأنا بتطبيقه لدى بعض القوات، لكنه بعيد كل البعد عن أن يكون حلاً كافياً “.
رماة المحلقات من هم ؟
في العقيدة العسكرية الحديثة، رامي الـ FPV ليس مجرد مقاتل يحمل جهاز تحكم. إنه “قناص بأبعاد ثلاثية”.
الرامي هنا هو شاب جامعي، مثقف، يمتلك مستوى هائلاً من الإدراك المكاني (Spatial Awareness) والتآزر الحركي البصري.
يتميز بـ “أعصاب جليدية”، ويمتلك تركيز نقطوي لا يتشتت، و”طاعة عمياء” للأمر العسكري. كذلك لديه القدرة على المناورة بين الأشجار والمباني بسرعة جنونية، واتخاذ قرار “الصيد” في أجزاء من الثانية.
هذا السلاح لا يحتاج فقط إلى شجاعة.. يحتاج إلى عقل رياضي وهندسي فذّ.

ما بين حربي 2006 و 2026: جيل يسلم جيلاً
في حرب تموز 2006، أبهرت المقاومة العالم بـ “رماة الكورنيت”؛ شباب أصحاب تركيز خارق، استطاعوا إذلال دروع الميركافا وتحويلها إلى توابيت.
اليوم في 2026، نحن أمام “النسخة المحدثة” من هؤلاء الأبطال.جيل التكنولوجيا، طلاب الجامعات والمهندسين، الذين ورثوا عقيدة رماة 2006، لكنهم استبدلوا الصاروخ الحراري بمُحلّقات الألياف البصرية.
بالأمس دمروا الحديد.. واليوم يصطادون النخبة.