خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*
الحروب لا تُخاض بالشجاعة وحدها. التاريخ مليء بمعارك بدأت بضربة قوية وانتهت بهزيمة مُذلّة لأن أصحابها نسوا السؤال الأهم: وماذا بعد؟ الدخول للحرب دون حسابات دقيقة يشبه القفز في محيط دون معرفة عمقه أو اتجاه التيار.
الشروط التسعة ليست رفاهية استراتيجية، بل هي الحد الفاصل بين حرب تُدار وحرب تَدير أصحابها.
البداية القوية: الضربة الأولى تصنع الصدمة وتحدد نغمة الصراع. لكن قوتها لا تُقاس بحجم الدمار، بل بقدرتها على شل قرار الخصم ومنعه من استيعاب ما يحدث. البداية الناجحة هي التي تترك العدو يرد على أفعالك، لا العكس.
تحمل رد الفعل: كل فعل له صدى. الحرب الذكية تحسب كلفة الرد قبل إطلاق الرصاصة الأولى. هل اقتصادك يتحمل؟ هل جبهتك الداخلية ستصمد أمام الخسائر؟ الحرب التي لا تستطيع تحمل تبعاتها أنت الذي خسرتها قبل أن تبدأ.
توسع دائرة المواجهات: لا توجد حرب تبقى في غرفة مغلقة. النار تمتد. الحليف المتردد اليوم قد يصبح عدو الغد، والجبهة الصامتة قد تشتعل. العاقل يرسم خرائط الاحتمال الأسوأ ويضع لكل جبهة محتملة خطة احتواء.
الدعم الداخلي: الجيوش تنهزم عندما تنكسر إرادة الشعوب. العقيدة القتالية لا تكفي إذا كان المواطن جائعاً أو فاقداً الثقة. كسب السردية الداخلية أهم من كسب كيلومتر على الأرض. من يخسر شعبه لا تنقذه كل ترسانات العالم.
التدخلات الخارجية: في عصر المصالح المتشابكة، لا أحد يحارب وحده. القوى الإقليمية والدولية تراقب وتزن. تجاهلها مقامرة. الحرب العاقلة تعرف متى تصعد لردع التدخل، ومتى تخفض الجناح لامتصاصه.
الدعم اللوجستي: الجندي يقاتل بالخبز والوقود قبل أن يقاتل بالسلاح. انهيار خطوط الإمداد أسقط إمبراطوريات. المعركة الطويلة لا يكسبها الأشجع، بل من يضمن أن دبابته تجد وقوداً وبندقيته تجد رصاصاً في اليوم المائة.
الحسابات غير المتوقعة: البجعة السوداء لا تستأذن. حادث عابر، اغتيال مفاجئ، كارثة طبيعية قد تقلب كل المعادلات. الحرب العاقلة تترك هامشاً للفوضى. تضع “خطة ب” و “خطة ج” لأن الميدان يكره السيناريوهات المكتوبة مسبقاً.
استراتيجية الخروج: أخطر سؤال: كيف ننهيها؟ الدخول سهل، الخروج مكلف. بدون تعريف واضح لـ “النصر” ستجد نفسك عالقاً في مستنقع استنزاف بلا أفق. حرب بلا مخرج هي هزيمة مؤجلة.
إدارة النتائج السياسية: البندقية تفتح الباب، لكنها لا تحكم ما وراءه. النصر العسكري الذي يتحول إلى هزيمة سياسية خسارة مضاعفة. هل لديك رؤية لليوم التالي؟ من يحكم؟ من يعمر؟ من يضمن ألا تعود الحرب أشرس؟
في المحصلة،هذه الشروط التسعة ليست لتعطيل قرار الحرب، بل لترشيده، فالحرب قد تكون حتمية أحياناً، لكن العشوائية فيها انتحار. القائد الذي يراجعها قبل الطلقة الأولى، هو وحده من يملك ترف الحديث عن “النصر”. أما من يتجاهلها، فهو يكتب أول سطر في كتاب هزيمته بيده.
—————————-
* كاتبة واستاذة جامعية