تركيا.. من حليف وظيفي إلى تهديد وجودي!
خاص – “الدنيا نيوز”
بقلم: إيمان درنيقة الكمالي*
في ردهات فندق “ماميلا” بالقدس المحتلة، حيث اجتمع كبار قادة المنظمات اليهودية الأمريكية في مؤتمرهم السنوي (شباط 2026)، جاءت الصدمة من رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “نفتالي بينيت” الذي أطلق جملة مدوية أعادت رسم خارطة التهديدات الإقليمية في العقل الصهيوني حين أعلن صراحة: “تركيا هي إيران الجديدة”.
هذا التصريح تزامن مع “أوركسترا” من التحذيرات البحثية الغربية؛ فمن جهة، يتساءل الباحث مايكل روبن بنبرة تحذيرية لافتة: “هل ستصبح أنقرة نسخة من طهران؟”، محذراً من استقلال القرار الدفاعي التركي. ومن جهة أخرى، يحرض برادلي مارتن عبر “وول ستريت جورنال” واشنطن وتل أبيب صراحة لـ “احتواء تركيا”، متهماً إياها بالسعي لملء الفراغ الإقليمي الذي قد تتركه إيران.
هنا يبرز التساؤل الجوهري: كيف استطاع حليف الناتو التاريخي أن يتحول في نظر إسرائيل إلى “إيران ثانية”؟ وما الذي يجعل تكنولوجيا أنقرة اليوم مصدر قلق يفوق في أبعاده الملفات الاستراتيجية التقليدية؟
دروس التاريخ: من صدمة الستينيات إلى الانطلاقة الوطنية:
إن القلق الغربي والإسرائيلي الراهن لا ينفصل عن الذاكرة التاريخية؛ اذ يدرك هؤلاء أن تركيا هي وريثة الأمجاد السلجوقية والعثمانية. وخلال الحرب الباردة، استغل الغرب موقعها الجيوسياسي كـ “حائط صد” أمام الاتحاد السوفيتي، فأدخلها حلف الناتو وحولها إلى سوق استهلاكية ضخمة لأسلحته.
لكن نقطة التحول الكبرى جاءت مع “رسالة الرئيس الأمريكي جونسون” في الستينيات، حين هدد أنقرة برفع حماية الناتو عنها إذا تدخلت عسكرياً في قبرص لحماية القبارصة الأتراك من التنكيل، ومنعها من استخدام أي سلاح أمريكي. كانت تلك اللحظة هي الصدمة التي أيقظت الوعي التركي على حقيقة أن الاعتماد الكلي على حليف خارجي في التسليح والقرار السياسي هو مخاطرة وجودية، وأنّ “المتغطي بالغرب عريان”. هذه التجربة، وصولاً إلى الضغوط الأخيرة بشأن طائرات F-35 وطرد تركيا من البرنامج بسبب صفقة الصواريخ الروسية، غيّرت العقلية الاستراتيجية التركية جذرياً من “مستهلك” للسلاح إلى “مبتكر” له.
ومن رحم هذه المعاناة ولدت بذرات الصناعات الدفاعية الوطنية، فتأسست شركات كبرى مثل (Aselsan) و(TUSAŞ)، وأنشئ جناح للصناعات الدفاعية في هيئة “توبيتاك” (TÜBİTAK)، كخطوة أولى لكسر قيد الارتهان للخارج.
فلسفة “السلاح الواقعي” والسيادة الرقمية
تستمد تركيا قوتها من جغرافيا فريدة تتحكم بمضايق البوسفور والدردنيل، الرئة الحيوية للأمن العالمي. ومن هذا الموقع، قدمت أنقرة فلسفة “السلاح الواقعي”؛ فمسيرة “بيرقدار” لم تنجح لأنها الأغلى، بل لأنها “ابنة الميدان” (Battle-proven)، التي صُممت لتناسب تضاريس المنطقة المعقدة ووعورتها الجغرافية، محققة كفاءة تدميرية عجزت عنها أعتى المنظومات العالمية.
وقد أدرك الأتراك أن السيادة الحقيقية تبدأ من امتلاك “شفرة المصدر” (Source Code)؛ فبينما يمكن للغرب تعطيل أسلحة حلفائه بـ “كبسة زر” خارجية، انتزعت أنقرة استقلالها الرقمي. واليوم، تتجاوز أنقرة العقبات التقنية عبر محركات مقاتلة الجيل الخامس “قآن” (KAAN)، ومنظومة “القبة الفولاذية” التركية (Çelik Kubbe)، في سعي حثيث لمواجهة “القبة الحديدية” الإسرائيلية، وكسر قاعدة “التفوق النوعي المضمون” لإسرائيل في المنطقة.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل بات من المستحيل على الدول تحقيق استقلال سياسي حقيقي في عالم اليوم، من دون امتلاك هذه “الشفرة السيادية” لأنظمتها الدفاعية؟
التطويق الاستراتيجي و”حق الرفض”
إن هذا التفوق يضع تركيا اليوم في حالة “تمرد سيادي”؛ فامتلاك الصناعات الدفاعية المستقلة بات يوازي في أبعاده الاستراتيجية “البرامج النووية” للدول الكبرى. وفي ظل نظام عالمي يوصف بـ “الغابة الدولية”، تلاشت فيه هيبة القانون الدولي أمام منطق القوة، تدرك أنقرة أن الدفاع الجوي وحده لم يعد كافياً، بل إنّ “قوة الردع الهجومية” هي الضمانة الوحيدة لمنع الاعتداء.
وليس ما يزعج “نفتالي بينيت” و”برادلي مارتن” القدرة العسكرية التركيّة فقط، بل “النية” في منازعة إسرائيل على سيادتها البحرية المزعومة وخطوط الغاز الحيوية؛ وهو ما يُنظر إليه في تل أبيب كـ “تطويق استراتيجي” يتجاوز الجغرافيا التقليدية ليتغلغل في العمق الذي تعتبره إسرائيل منطقتها المحرمة، من الدعم السياسي والشعبي للقضية الفلسطينية وصولاً إلى الحضور الثقافي في القدس المحتلة. إن امتلاك تقنيات الجيل الخامس والمسيرات الذكية هو “رسالة سلام” تركية خشنة؛ مفادها أن تكلفة المساس بمصالح أنقرة ستكون باهظة جداً، وأنها باتت “نداً” يمتلك القدرة على قول “لا” في وجه النظام العالمي المتغير.
الخاتمة: السلاح كـ “طاولة مفاوضات” سيادية
في الختام، لم يعد بزوغ نجم القوة العسكرية التركية مجرد طفرة في التصنيع، بل هو “فعل تمرد استراتيجي” على نظام استخدم السلاح لعقود كأداة للوصاية والابتزاز. لقد سمحت الصناعات الدفاعية لتركيا بالانتقال من “حليف وظيفي” إلى “قطب تقني” يعيد صياغة مفهوم الأمن القومي؛ حيث لا تُقاس القوة بعدد الدبابات، بل بامتلاك “حق الرفض” والتحرر من “الأقفال الرقمية” للقوى الكبرى.
لقد أصبحت هذه الصناعات هي “طاولة المفاوضات” الحقيقية التي تمنح أنقرة “حق الفيتو” الجيوسياسي من شرق المتوسط إلى القوقاز.
إن التجربة التركية -منذ عهد أربكان وصولاً إلى أردوغان- تثبت أن “الإرادة السياسية” هي الوقود الحقيقي للمحركات، وأن امتلاك “المخالب التقنية” الوطنية هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار دروس الماضي الأليمة، ولضمان البقاء في عالم متحلل من القوانين كشريك أصيل.. لا كتابع مأمور.
——————————-
* أستاذة جامعيّة – باحثة سياسيّة
