المُقاوَمة تَحوّل نَمَط المواجهة: هل يتغيّر ميزان القوّة أم أدواته…؟
خاص – “اخبار الدنيا”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
في قراءة التحولات الجارية في المنطقة، وعلى الجبهة الجنوبية تحديدًا، يبرز اتجاه متزايد للحديث عن “جيل جديد” أمسك ساحات المواجهة البرية؛ منهم المنتمي لحزب الله وآخرين من شباب القرى والبلدات المُهجرّة. الفئة الاولى مُنظَمَة، تسعى لإعادة رسم معادلات الميدان؛ فيما الأخيرة تقاتل من ازقة قراها والأكَمَات، ليفرض كلاهما تحديات غير مسبوقة على أنماط التفوق التقليدي للعدو…
لكن السؤال الحقيقي لا يكمن في ما إذا كان ميزان القوة قد انقلب…؟ بل في ما إذا كانت طبيعة القوة نفسها قد تغيّرت.…
منذ بدء حرب الإسناد، استند التفوق العسكري الإسرائيلي على اساسيات واضحة “التكنولوجيا، السيطرة الجوية، والاستخبارات المتقدمة”، هذه العناصر لا تزال إلى حد كبير في صالح اسرائيل… إلا أن ما تغيّر هو قدرة اهل الارض على تطوير أدوات موازية، قائمة على المرونة، سرعة الانتشار، إتقان حرب الاستنزاف، مع تحلٍ بجرأة القتال على المسافة الصفرية..
من هنا، يمكن فهم الحديث عن “جيل ثالث” من فتيان المقاومة، بعد ما تعرّضت له بنيتها من استهدافات واغتيالات طالت قيادات الصف الأول، وأثّرت جزئيًا على بنية الرعيل الثاني. غير أن هذا التغير لا يُقرأ كمسار زمني بقدر ما هو تجذر إيماني ونمو طبيعي وتحول نوعي وظيفي؛ إذ لم يعد الهدف كسر التفوق العسكري، بل محاولة تعطيل مفاعيله، عبر نقل المعركة من خانة الحسم السريع إلى استنزاف طويل، ومن مواجهة تقليدية إلى بيئة مُركّبة يَصعُب ضبطها.
في قلب هذا التحول، يبرز سؤال يتجاوز الشعارات: هل يملك “جيل بدايات الألفية الثانية” القدرة على منع التمركزات الثابتة وفرض الانسحاب بعد تقييد الحركة الميدانية…؟ الوقائع تُشير أن المقاربة الثنائية—نصر أو هزيمة—لم تعد صالحة.
فهؤلاء لا يتحركون ضمن منطق الحروب التقليدية، بل وفق أنموذج مختلف يستند على رفع كلفة التوغل البري إلى حد يجعل سيناريو الاجتياح خيارآ مؤلمآ و مغامرة غير مضمونة النتائج.
من هنا، تتبلور معادلة مركّبة: قدرة تقنية ونارية عالية تعجز عن تحقيق نصر، مقابل استنزاف مُتدرج يُبقي المواجهة مفتوحة دون نهاية واضحة حتى الآن.
في امتداد هذا النقاش، يُطرح بُعدٌ لا يقل أهمية: هل يمكن لهذه القدرة الميدانية أن تتحول ورقة قوة فعلية في أي مسار تفاوضي مُقبِل…؟ نظريًا، يشكّل تطور الأداء في المواجهة البرية عنصر ضغط قاسٍ، خصوصًا إذا نجح في رفع كلفة وخسائر العدوان. في المقابل يمارس العدو ضغطآ من الخطورة بمكان، اذ يطال البيئة الشيعية خصوصآ ولُحمَة الشعب اللبناني كَكُل، يتمثل في فرض تغيير ديموغرافي، واتباع سياسة التدمير المنهجي والأرض المحروقة…
إلا أن تحويل صمود هذه الإستطاعَة المقاوِمَة وتضحياتها إلى مكسب سياسي ليس أمرًا تلقائيًا، بل يتطلب شروطًا تتجاوز الميدان نفسه. فالتفاوض المَعروض لا يُبنى على النوايا، كما ليس وفق ما يتحقق ميدانيآ فقط، بل على إمكانية ترجمة هذا الإنجاز ضمن سياق سياسي متماسك، وهو ما يرتبط بدوره بالتوازنات السياسية الداخلية، كما بحسابات إقليمية أوسع تتداخل فيها أدوار ايران وقنوات التأثير لدى الولايات المتحدة… وعليه، قد تتحول هذه المقدرة إلى عنصر دعم على طاولة التفاوض، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة تسوية.
بالمقابل؛ فإن مسار المواجهة الأكثر واقعية لا يتجه نحو تسوية نهائية، بل نحو إعادة إنتاج نوع معتاد مُتكرر من التفاهمات برعاية دولية بصيغ تجميلية، حيث تُدار التوترات عبر وساطات وترتيبات ميدانية لا تزال مرفوضة او في دائرة التجاهل.
هنا يتقاطع الميدان مع السياسة: فكما لم تعد المعركة في بُعديها قاصرة اولآ عن الحسم العسكري، كذلك لا افق سياسي لها صنف هدنة قد يُعاد تثبيتها ضمن توازنات دقيقة.
غير أن أخطر ما يواكب هذا المشهد ليس فقط ما يجري على الأرض، بل ما يُبَث في الوعي. فالتسريبات التي تتحدث عن “دخول سوري” على المَسْرح اللبناني شمالآ وشرقآ لم تعد مجرد أخبار عابرة، بل باتت أقرب إلى أداة مدروسة في إدارة الصراع. هذا النوع من الطرح، بتوقيته ومضمونه، لا يمكن فصله عن محاولاتٍ تُعيد تشكيل بيئة الإدراك، ورفع منسوب القلق قبل أي تحوّل ميداني محتمل.
اذ ان إلقاء التسريبات في بيئات النزاع ليس نقلًا بريئًا للمعلومة، بل فعل إستخباراتي بامتياز: اختبار لردود الفعل، جسّ لخطوط الاعتراض، وربما تمهيد نفسي لسيناريوهات يُراد لها أن تبدو لاحقًا كأمر واقع. وهنا تحديدًا تكمن الخطورة، إذ يتحول “الاحتمال” إلى أداة ضغط، و”السيناريو” إلى عنصر تأثير في القرار.
ثم إن زَجْ سوريا في المعادلة اللبنانية، حتى على مستوى التداول الإعلامي، ليس تفصيلًا. فهو يلامس توازنات داخلية حساسة، ويستدعي ذاكرة سياسية معقّدة، كما يوجّه في الوقت نفسه رسائل إقليمية تتجاوز حدود لبنان… من هذه المنطلقات، فإن التعامل مع هذه التسريبات لا يكون بنفيها أو تصديقها فقط، بل بفهم وظيفتها:
من يُطلِقُها…؟ ولماذا الآن…؟ وفي أي سياق تُستخدم…؟
توازيآ، لا يمكن تجاهل قاعدة أساسية: ليس كل ما يُسرَّب يُنفَّذ، لكن كل ما يُسرَّب يترك أثرًا. وهذا الأثر، في بيئة هشّة داخليآ قد يكون بحد ذاته جزءًا من المعركة.
في المُحَصلة، نحن أمام واقع مُستَجِد مختلف يتداخل فيه الميدان مع الإعلام، والواقع مع الإدراك. تفوق عسكري لا يزال قائمًا، مقابل أدوات وطرق مُقاوِمة تتطور؛ صراع يُدار أكثر مما يُحسم؛ وتسريبات تُستخدم كوسيلة ضغط لا تقل تأثيرًا عن النار.
أما الخلاصة الأشد وضوحًا؛ فهي أن المعركة لم تعد فقط في الميدان، بل داخل العقول والإرادات. فلا تفوق يُحسم دون إدراك، ولا مقاومة تفرض تسوية دون قدرة الدولة على إدارة الصراع. وبين سلاح يُستخدم في الميدان، وسردية تُزرَع في الوعي، يتشكّل ميزان القوة الحقيقي القائم على قدرة جِيليَةٍ متجددة تمنع العدو من تحقيق نصرٍ واضح…
————————————————————
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية