في فلسفة الحداثة .. وما بعد الحداثة

خاص – “اخبار الدنيا”

 

الدكتورة ميرنا داود*

الحداثة وما بعد الحداثة هما مرحلتان فكريتان أثرتا بشكل كبير على الفلسفة السياسية. الحداثة، التي امتدت من القرن السابع عشر إلى القرن العشرين، تميزت بتطورات كبيرة في الفكر والفن والعلوم والتكنولوجيا. وشملت مجموعة من التغيرات الجذرية التي طالت مختلف جوانب الحياة، مثل تطور العلوم والتكنولوجيا، والتغيرات الفلسفية، والتغيرات الثقافية، والتغيرات الاجتماعية.
تتميز الحداثة بخصائص مثل التركيز على العقل والمنطق، والاهتمام بالتجربة الإنسانية والشخصية، والتحدي للسلطات التقليدية، والابتكار والتجديد، والتركيز على الفردية والحرية. وقد ساهمت الحداثة في ظهور الدول القومية الحديثة، والتمثيل السياسي، وحقوق الإنسان.
أما ما بعد الحداثة، التي امتدت من القرن العشرين إلى الحاضر، فتتميز بالتركيز على النسبية والتنوع والتعددية. وتشمل ما بعد الحداثة مجموعة من التغيرات الجذرية التي طالت مختلف جوانب الحياة، مثل الفن والفلسفة والسياسة والثقافة.
من مميزات ما بعد الحداثة التركيز على التعددية والاختلاف، والاهتمام بالهوية والتنوع، ورفض السلطة والهيمنة، والاهتمام بالرموز. وقد ساهمت ما بعد الحداثة في الاعتراف بالتنوع الثقافي، والحكم الذاتي، والسياسة العالمية.

كانط والحداثة

إيمانويل كانط (1724-1804) هو أحد أهم الفلاسفة في تاريخ الفلسفة الحديثة. فلسفته كانت نقطة تحول في تطور الحداثة، حيث ساهم في تشكيل المفاهيم الحديثة للعقل والحرية والمسؤولية.

العقل النقدي

كانط أقر بمحورية العقل في عملية المعرفة. في كتابه “نقد العقل الخالص” (1781)، قدم كانط نظرية العقل النقدي، حيث يرى أن العقل هو الذي يحدد شكل المعرفة وليس العالم الخارجي. العقل يلعب دورًا فاعلًا في تشكيل المعرفة، حيث يضيف إليها مقولات ومبادئ أساسية مثل الزمان والمكان والعلاقة السببية.

الحرية والمسؤولية

كانط أقر بفكرة الحرية الإنسانية، حيث يرى أن الإنسان حر في اتخاذ قراراته. في كتابه “نقد العقل العملي” (1788)، قدم كانط نظرية الواجب الأخلاقي، حيث يرى أن الإنسان يجب أن يتصرف وفقًا لمبادئ أخلاقية مطلقة، وليس وفقًا لمصالحه الشخصية.

الحداثة والتنوير

كانط كان أحد أهم المفكرين في عصر التنوير، حيث ساهم في تشكيل المفاهيم الحديثة للعقل والحرية والمسؤولية. فلسفته كانت نقطة تحول في تطور الحداثة، حيث أقر بمحورية العقل والحرية الإنسانية.

أهمية كانط في الحداثة

ساهم في تشكيل المفاهيم الحديثة للعقل والحرية والمسؤولية.
– أقر بمحورية العقل في عملية المعرفة.
– قدم نظرية الواجب الأخلاقي، حيث يرى أن الإنسان يجب أن يتصرف وفقًا لمبادئ أخلاقية مطلقة.
– ساهم في تشكيل المفاهيم الحديثة للحرية الإنسانية والمسؤولية.
التأثيرات الفلسفية للحداثة وما بعد الحداثة على الفلسفة السياسية كبيرة من خلال التركيز على العقلانية، والإنسانية، والتقدم. أما ما بعد الحداثة، فقد أثرت على الفلسفة السياسية من خلال التركيز على النسبية، والتعددية، والسلطة.
ومن المفكرين الذين ساهموا في تطوير التأثيرات السياسية لما بعد الحداثة ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وجان فرانسوا ليوتار. وتشمل التأثيرات السياسية لما بعد الحداثة مجموعة من الحركات السياسية مثل الحركات النسوية، والحركات الحقوقية، والحركات الاجتماعية، والحركات الاحتجاجية، والحركات البيئية.
بصفة عامة، يمكن القول إن الحداثة وما بعد الحداثة قد أثرتا بشكل كبير على الفلسفة السياسية، وقد ساهمتا في تشكيل المفاهيم السياسية الحديثة والمعاصرة.

التأثيرات الفلسفية للحداثة

– العقلانية: ركزت الحداثة على العقل كأداة لتحقيق التقدم والتحرر.
– الإنسانية: ساهمت الحداثة في ظهور الإنسانية، حيث أصبح الإنسان هو محور الاهتمام.
– التقدم: آمنت الحداثة بالتقدم المستمر والتطور التكنولوجي.
*التأثيرات الفلسفية لما بعد الحداثة*
– النسبية: ركزت ما بعد الحداثة على النسبية والتنوع، مما أدى إلى التشكيك في الحقائق المطلقة.
– التعددية: ساهمت ما بعد الحداثة في الاعتراف بالتعددية والاختلاف.
– السلطة: أظهرت ما بعد الحداثة أن السلطة ليست فقط في يد الدولة، بل هي منتشرة في جميع أنحاء المجتمع.
*أمثلة على التأثيرات الفلسفية*
– فكرة “السلطة” لميشيل فوكو: أظهر فوكو أن السلطة ليست فقط في يد الدولة، بل هي منتشرة في جميع أنحاء المجتمع.
– فكرة “العدالة” لجون راولس: أظهر راولس أن العدالة يجب أن تكون قائمة على المساواة والعدالة الاجتماعية.
لقد كانت الحداثة مشروعاً كونياً طموحاً لإعادة تأسيس العالم على قاعدة العقل والحرية والتقدم. منذ ديكارت إلى هيغل، تشكل وعي جديد يرى في الإنسان مركزاً للكون، وفي العقل مرجعية عليا، وفي العلم أداة خلاص من الجهل والأسطورة.
غير أن هذا المشروع حمل في أحشائه بذور تناقضه. فالعقل الذي أراد تحرير الإنسان من سطوة الطبيعة والتقاليد، تحول إلى «عقلنة» مفرطة أقامت «قفصاً حديدياً» من البيروقراطية والوظيفية والضبط.
نيتشه كشف هشاشة القيم الحداثية، وأشار إلى أن إرادة القوة قد تتخفى وراء خطاب العقل والأخلاق. ثم جاءت ما بعد الحداثة لتعلن القطيعة مع «السرديات الكبرى»، فشككت في كل ادعاء شمولي للحقيقة أو التقدم أو التحرر النهائي.
فوكو أظهر أن العقل ليس بريئاً، بل شبكة من الخطابات والسلطات التي تنتج «أنظمة الحقيقة». دريدا هدم مركزيات المعنى، فصار النص فضاء للانزياحات والاختلافات اللانهائية.
غير أن ما بعد الحداثة لم تسلم من تناقضها الخاص. فالتشكيك المطلق قد يفضي إلى نسبية قاتلة، تسوي بين الحقيقة والزيف، وبين النقد والعدمية.
هابرماس دافع عن «الحداثة بوصفها مشروعاً لم يكتمل»، داعياً إلى استعادة بعدها التواصلي والأخلاقي، لا الأداتي. فالبديل ليس في هدم العقل، بل في تحريره من اختزاله التقني، وفي إعادة وصل الحرية بالمسؤولية، والمعرفة بالقيم.
في السياق العربي، تزداد المسألة تعقيداً. حيث لا يمكننا استيراد الحداثة بوصفها بضاعة جاهزة، بل ينبغي مساءلة البنية المعرفية للتراث ذاته.
التحدي: كيف نمارس نقد الحداثة ونحن لم نستكمل شروطها بعد؟ وكيف نتحدث عن ما بعدها ونحن لم ننجز بعدها؟
المطلوب بناء عقل نقدي يعي حدوده، ويقاوم تحوله إلى سلطة مغلقة، أو إلى شظايا متنافرة.
نقد الحداثة وما بعد الحداثة فعل إبداعي، سعياً إلى تجنب التطرف: تطرف العقل المغلق،وتطرف نقص المعرفة اللامحدود. ففي مملكة العقل، لا بد من شعاع يبقي للإنسان وعيه، وللفكر مسؤوليته، وللثقافة وجودها في أن تكون بحثاً دائماً عن حقيقة لا تدعي المعرفة المطلقة، لكنها لا تتخلى عن البحث الدائم .

——————————-

* أستاذة جامعية وكاتبة