من دافوس إلى بيروت… حين تعترف الدول بإلغاء النظام الدولي..!
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
لم تكن كلمة رئيس الوزراء الكندي “مارك كارني” Mark Carney خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في مدينة (دافوس) المنتجع السويسري الشهير، مجرّد مداخلة سياسية بروتوكولية عابرة، بل بدت أقرب إلى اعتراف محسوب بالمأزق الذي وصل اليه النظام الدولي نفسه. مأزق لا يتصل فقط بتراجع قوى وصعود أخرى، بل بعطب أعمق أصاب البنية التي يُفترض أن تنظّم العلاقات الدولية. فالقواعد التي شُيّد عليها هذا النظام لم تعد قادرة على حماية من يلتزم بها، ولا على ضبط من يخرقها إن إمتلك ما يكفي من القوة.
ثم ان (كارني) لم يكن يطلق خطابًا احتجاجيًا أو بيانآ إنشائيًا عندما اعلن ان «النظام الدولي الحالي القائم على القواعد لم يعد يعمل»، بل وَصَف حالة انتقالية يعيشها العالم منذ سنوات. نظامٌ لم ينهَر بالكامل، لكنه فقد فعاليته؛ لم يسقط، لكنه لم يعد يؤدي وظيفته الأساسية في تحقيق التوازن بين فائض القوة الذاتية للدول وإلتزام الشُرْعة الأممية.
سياقآ؛ تكمن أهمية هذا الكلام في هوية من أطلقه. فكندا ليست دولة متمرّدة على النظام الدولي، ولا قوة صاعدة أو منحازة تسعى إلى تقويضه، بل تنتمي إلى ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ«الدول متوسطة القوة» ( Middle Powers States ):
دول تمتلك مؤسسات مستقرة، واقتصادًا فاعلًا، وقدرًا معقولًا من السيادة والتأثير، لكنها لا تصنع قواعد النظام الدولي بقدر ما تعيش في كنفه وتعتمد عليه. قوّتها ليست صفرية، لكنها مشروطة، ونفوذها تراكمي لا قهري..
من هذا الموقع تحديدًا، يصبح تآكل القواعد خطرًا وجوديًا. فالدول المتوسطة لا تحتمي بترسانتها العسكرية والتكنولوجية فقط، كما يتعذر فرض إرادتها خارج الشرعية الدولية. فإلتزامها القواعد لا يعتبر خيارًا أخلاقيًا، بل من شروط حماية مصالحها. وحين تكتشف أن هذا الالتزام لم يعد كافيًا، تنتقل من موقع «الملتزم الصامت» إلى موقع “الشريك القَلِق”.
ما يطرح التساؤلات: إذا كانت دولة مستقرة نسبيًا، منتمية للعالم الغربي ومندمجة بعمق في النظام الدولي، تعترف بأن هذا النظام لم يعد يعمل لصالحها او سواها، يصبح الأكثر إلحاحًا السؤال عن الدول التي لم تدخل هذا النظام أصلًا إلا من بوابة الهشاشة والتبعية..؟
هنا يفرض السياق العربي، واللبناني تحديدًا، نفسه لا بوصفه حالة مماثلة، بل بكونِهِ الحدّ الأقصى لهذا الخلل. ففي العالم العربي وما مرّ به من محطات مفصلية كثرة شواهد. إذ لم يكن النظام الدولي يومًا مظلة حماية متكافئة، بل إطارًا انتقائيًا تُطبّق قواعده حين تخدم مصالح القوى الكبرى، ويُغضّ الطرف عنها حين تتعارض معها. أما لبنان، فقد مثّل خلال العقود الأخيرة نموذج الدولة التي يُملى عليها شروط التقيد بمطالب الجوار الإقليمي والأوسع الدولي دون تكافؤ بين الرغبة، القرار والقدرة، وتُحاسَب على سيادة قائمة قانونًا، لكنها مُقيَّدة عمليًا بفعل توازنات تتجاوزها.».
مع ذلك، لا يجوز طمس الفارق الجوهري بين الحالتين. فكندا تناقش موقعها داخل النظام الدولي وتسعى إلى تحسين المقومات وترفع من شروط هذا الموقع، بينما يناقش لبنان أصل قدرته المحدودة على خلفية تشابكات داخلية متنوعة على أن يكون دولة مكتملة داخل هذا النظام، لا مجرّد ملف أو ساحة. غير أن هذا الاختلاف لا يلغي التقاطع في التشخيص، فحين تَفْقُد القواعد إمكانية الإلزام، تتحوّل الدول الضعيفة مجرد مساحات إختبار، وتغدو الدول المتوسطة كيانات قَلِقَة تبحث عن هامش أمان جديد.
في الحالة اللبنانية، يتجسّد هذا العطب بأوضح صوره في اعتداءات اسرائيلية متواصلة اضافةً إلى قرارات دولية بلا تنفيذ ، دعم خارجي مشروط بإصلاحات بنيوية، وسيادة معلّقة على مقصلة توازنات إقليمية. هذا ليس من منطلق ان هذا البلد استثناء، بل لأنه يعيش في ظل نظام دولي يتعامل مع الدول الهشّة او القاصرة بوصفها أزمات مؤجّلة.
من هذه الزاوية، يصبح منتدى دافوس مرآة غير مقصودة للواقع العربي. فإذا كانت الدول التي تملك مؤسسات فاعلة تشكو من اختلال القواعد، فكيف هو حال دول جرى تفريغ مؤسساتها أو تعطيلها، ثم طُلب منها أن تتصرّف كأنها كاملة السيادة والمواصفات..؟
في المحصلة؛ الخطاب الكندي لا يقدّم حلولًا جاهزة، لكنه يفضح ما بات أرذَل في السياسة الدولية، هو اعتراف بمرحلة فراغ بين نظام انتهت صلاحيته، وآخر مستجد لم تتبلور ملامحه بعد. بهذا تكون كندا أول من يقرع جرس الإنذار. ثم ان الخطر المُضاف لا يكمن في انهيار النظام الدولي دفعة واحدة، بل في استمراره هيكلآ يتداعى امام ارادة أميركية متفوقة أفرغت مؤسسات دولية من حيادية وإلزامية قراراتها كالأمم المتحدة الخ.. لِتُنشئ على أنقاضها تحالفات ومنظمات اشد فعالية، تتوازى مع قول فصل يُلقي عبء الفشل على الدول الأضعف بدل أن تعالج أصل الخلل.
اخيرآ؛ من دافوس إلى بيروت، تتبدّى الحقيقة نفسها بأحجام مختلفة، فالعالم يعايش فوضى شاملة تُسقِط نظامآ دوليآ أُسّس على انقاض الحرب العالمية الثانية، بات قاصرآ عن حماية المنضوين تحت لوائه. في مثل هذه اللحظات، لا تكون الأزمة في غياب القوة وحدها، بل في غياب المعنى الذي يمنح القواعد قيمتها، ويجعل للالتزام جدوى..!
—————————-
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الامنية والإستراتيجية