حكومة بلا عقد اجتماعي…

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم : البروفيسور تيسير عبَّاس حميَّة*

ما يميّز الوضع اللبناني اليوم ليس فقط فشل الدولة أو فسادها، بل انفصال السلطة السياسية عن مجتمعها وانقلابها على عناصر السيادة الأساسية التي يُفترض أن تحميها:
1. غياب العقد الاجتماعي
2. حكومة لا تستمد شرعيتها من رضا شعبي فعلي، بل من:
– توازنات طائفية مفروضة
– دعم خارجي سياسي ومالي
– منظومة مالية–مصرفية.
تحمي نفسها عبر الدولة
3. التناقض مع المزاج الشعبي العام في قضايا مصيرية
4. التماهي مع العدو الصهيوني
5. تشريع سرقة أموال المودعين
6. رفض تسليح الجيش
7. رفض الدفاع عن الأرض وترك الشعب اللبناني عرضة للغطرسة الصهيونية

تتخذ هذه الحكومة مواقف معاكسة أو متخاذلة مقارنة بما يراه جزء كبير من اللبنانيين ضرورة وجودية.

ازدواجية السيادة
الدولة اللبنانية رسميًا:
– لا تحارب العدو
– لا تحمي حدودها
– لا ترد على الاعتداءات
لكنها في الوقت نفسه تحاول نزع سلاح القوة الوحيدة التي قامت بهذه الوظائف عندما غابت الدولة.

هذا التناقض يولّد حالة شاذة:
دولة قائمة إداريًا، لكنها منزوعة السيادة فعليًا.

وإذا أردنا تصفح التاريخ الحديث لنرى وجود حكومات مشابهة لهذه الحكومة اللبنانية التي صمت آذانها عن الكرامة والعزة وارتمت في أحضان المستعمر،
فإننا نكتشف نماذج عديدة لحكومات قامت ضد إرادة شعوبها وخدمت قوى خارجية أو عدوًا مباشرًا.
فالنموذج اللبناني ليس استثناءً، لكنه يحمل خصوصيته.

1. حكومة فيشي – فرنسا (1940–1944)
أوجه الشبه:
– تعاونت مع قوة احتلال (ألمانيا النازية)
– بررت ذلك بحجة “حماية البلاد من الأسوأ”
– قمعت المقاومة الفرنسية
– اعتبرت المقاومة “مغامرة” تهدد السلم الداخلي
اوجه الإختلاف:
– فيشي كانت تحت احتلال عسكري مباشر
– لبنان اليوم تحت هيمنة سياسية–مالية–دبلوماسية صهيو أمريكية غير معلنة.

2. حكومة تشيانغ كاي شيك مقابل المقاومة الصينية (قبل 1949)
– الحكومة المعترف بها دوليًا فاسدة، مرتبطة بالخارج
– حاربت المقاومة الشعبية (ماو)
– فشلت في مواجهة اليابان
النتيجة:
سقطت الحكومة لأنها فقدت:
– ثقة الشعب
– القدرة على الدفاع
الشرعية الوطنية.

3. حكومة كرزاي ثم غني – أفغانستان
أوجه الشبه مع لبنان:
– معترف بها دوليًا
– مدعومة أمريكيًا
– جيش بلا عقيدة قتالية مستقلة
– مقاومة تُوصم بالإرهاب
– دولة تنهار فور رفع الغطاء الخارجي.

4. أنظمة عربية “تطبيعية” مع العدو الصهيوني (بدرجات مختلفة: كامب ديفيد، وادي عربة، أوسلو)
القاسم المشترك مع الحكومةاللبنانية:
– سلام مع العدو بلا عدالة
– قمع قوى المقاومة
– ربط الاقتصاد والسياسة بالغرب
– شرعية داخلية مهزوزة
– رفض مساعدة الدول الصديقة.

لكن لبنان يختلف لأن:
العدو لا يزال يحتل ويعتدي يوميًا
لا يوجد “سلام” رسمي، بل تنفيذ غير معلن لأجندة الردع الإسرائيلية.

الحكومة اللبنانية الحالية ذات وضع شاذ في العالم الحديث.
لماذا هذا الوضع “الشاذ” في لبنان تحديدًا؟
يوجد أربعة أسباب جوهرية لذلك:
1. المقاومة سبقت الدولة في الوظيفة السيادية
– حررت الأرض
– ردعت العدوان
– حمت الحدود
بينما الدولة:
كانت غائبة أو متواطئة أو عاجزة
في علم السياسة، هذا يُسمّى:
انقلاب الوظائف بين الدولة والمجتمع.

2. الحكومة تحارب عناصر القوة لا أسباب الضعف
بدل:
– محاسبة المصارف
– واستعادة الأموال المنهوبة
– وبناء جيش مستقل القرار
نراها:
– تستهدف سلاح المقاومة
– تبرر العقوبات المفروضة على لبنان من قبل أمريكا وحلفائها
– تمنع أي تسليح نوعي للجيش.

3. الارتهان الخارجي بدل السيادة
فالسياسات اللبنانية الكبرى لا تُصاغ في:
مجلس الوزراء بل في:
– السفارات
– المؤسسات المالية الدولية
– غرف الضغط الصهيو أمريكية.

4. خطاب “الدولة” كغطاء للتجريد
يُستخدم شعار:
“حصر السلاح بيد الدولة”
في حين أن الدولة بلا سلاح والجيش بلا قرار والعدو بلا رادع إلا المقاومة…

هذا ليس بناء دولة، بل نزع دفاع المجتمع.

الخلاصة السياسية
ما نعيشه في لبنان ليس مجرد حكومة فاشلة بل:
سلطة منزوعة الوطنية، تستمد استمرارها من الخارج، وتتصادم مع جزء أساسي من مجتمعها، وتتعامل مع العدو كأمر واقع لا كتهديد وجودي…

فحالة هذه الحكومة تشبه حكومة فيشي من حيث الوظيفة وتشبه حكومة كابول من حيث الإرتهان وتشبه أنظمة “التطبيع” العربية من حيث الأولويات

لكن الحكومة اللبنانية أخطر من كل تلك النماذج العالمية، لأن العدو لا يزال يقصف ويقتل والمجتمع لا يزال يقاوم والدولة تقف بينهما… ضد مجتمعها…ويصفق لها الصهيوني والأمريكي في كل قراراتها منذ تسميتها عبر ما بات يعرف بفضيحة “أبي عمر”.

هذه الحكومة الفيشية ولا أقول الفاشية، سوف تسقط وتزول…
وهذا هو مصير من سبقها في العالم من حكومات عملت ضد شعبها ومقاومتها وجيشها…

وغدا سيقال سقطت حكومة العار وانتصر الوطن.

———————-

* كاتب وأستاذ جامعي