أعراض الحقيقة: قراءة في “البوليغراف” اللبناني..!

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم العميد منذر الايوبي

في لبنان، لا تُختبَر الحقيقة عبر أدوات تقنية، ولا يُقاس الصدق بمؤشرات “فيزيولوجية” Physiological كما في أجهزة كشف الكذب ، بل عبر قابلية النظام نفسه على الاحتمال. هنا تعمل البنية السياسية ـ الطائفية كـ«بوليغراف غير مُعلَن»: كل واقعة تُمرَّر داخلها، إن كانت كاذبة انفجرت سريعًا، وإن كانت صحيحة لكن كلفتها مرتفعة، جرى تعليقها في منطقة رمادية تُدار بالصمت والمراوحة مع تفادي إنكار ..

المفارقة التقنية أن الأجهزة نفسها Lie Detectors لا تكشف الكذب بوصفه فعلًا محددًا، بل ترصد ارتدادات جسدية يُفترَض أنها ترافقه. إذ لا توجد استجابة تقول صراحة: «هنا كذب»، بل مجموعة أعراض: توتر، تسارع نبض، اضطراب تنفّس، جفاف في الفم، ترشح العرق الخ.. يأتي بعدها دور “الفاحص-الخبير” The Examiner في الشرح والدفاع عن قراءته. على هذا المقياس، يعمل «البوليغراف اللبناني»: لا يلتقط الوقائع مباشرة ليحدد المعالجات، بل يكتفي بقراءة أعراضها والإرتدادت..

قضية «أبو عمر» تصلح مثالًا نموذجيًا. لم يكن الإشكال يومها في غموض مفرط او وضوح يُأوَل. المعرفة كانت متوافرة بدرجات متفاوتة، لكن الاعتراف في نظام مُشوّه يصبح مثار جدل، هكذا يتحول من فعل شجاعة، الى مشروع تفجير للتوازنات. لتنتقل القضية واي قضية.. من إدارة الحقيقة إلى حيّز تكافُلي من التجاهل المُنظَّم يفرملُ مسار العدالة إن أُطلِق..

ثم ان الصمت هنا لم يكن فراغًا، بل فعلًا سياسيًا كامل الأركان. تعطيل هو بمثابة بيانات مقتضبة كحبس للنَفَس، وروايات متناقضة تشبه “الارتباك اللاإرادي” Involuntary Confusion المُتعذر إخفاؤه طويلًا.. لم يُنفَ الحدث، ولم يُثبَت، بل وُضع في حالة تعليق، تُدخِل الزمن نفسه غرفة انتظار. هذه ليست مصادفة، بل تقنية حكم تُمارَس في دولة لا تستطيع دائمآ تحمّل نتائج الحقيقة ولا تملك ترف الكذب الصريح.

في الدول المستقرة، قد يُستخدم الصمت أحيانًا لخفض توتر او لضرورات الامن القومي. أمّا في لبنان، فالصمت يُدار لتفادي الصدمات. الملفات الحساسة لا تُغلَق ولا تُفتَح، بل تُمسَك في المنتصف. ومع كل تبدّل في موازين القوى والمواقيت، تعود وتطفو إلى السطح، لا كقنابل مؤجّلة، بل كأعراض متكرّرة تذكّر العامة أن الحقيقة لم تختفِ، بل أُجِّلت.

هكذا يصبح «البوليغراف التماثلي/ Analogue » آلية فضح غير مباشرة، إذ ما لا يُقال يُكشف أكثر مما يُقال، وما يُدار بالصمت يَشي بخطورة ما لو قيلَ. أما الفاحص، فخلافًا للأجهزة المحوسبة المُطورة Eye Detect، ليس محايدًا ولا تقنيًا، بل هو الزمن السياسي نفسه، يقرأ التفاعلات، ويعيد طرح السؤال عند كل مفصل او استحقاق.

إستنادآ، التركيبة الوطنية بطبقاتها وشرائحها المتعددة، لا تعاني فائض كذب بقدر ما تعاني عجزآ بنيويآ عن تحمّل الحقيقة، حيث يتحوّل الصمت من تكتيك ظرفي إلى نمط حوكمة وحُكم، ومن استثناء إلى لغة دولة ومجتمع..!

*عميد متقاعد، كاتب.