الدولة الحارِسَة… حين تبحث السيادة عن معناها..

خاص – “أخبار الدنيا”

 

بقلم العميد منذر الايوبي*

في اللحظة اللبنانية الراهنة لم يَعُد يُقاس الوضع السياسي والأمني الراهن بحدّة التصريحات او تناقضاتها الظاهرة، بل بما تكشفه من مأزق بنيوي في مفهوم الدولة نفسه. ما ورد في حوار رئيس الجمهورية مع الإعلامي وليد عبود حول السيادة، وقرار حصرية السلاح، ليس زلّة لغوية ولا ازدواجًا في الموقف، بقدر ما هو انعكاس دقيق لواقعٍ لم يُحسم منذ قيام الكيان: دولةٌ تطالب بالسيادة الكاملة، لكنها لم تكتمل بعد كسلطة حارسة لها.

في هذا الإطار، يبدو كلام رئيس البلاد محاولة لإدارة التناقض لا إنكاره. فهو يَعي إنطلاقآ من خلفيته العسكرية أن حصرية السلاح ليست قرارًا إداريًا يُتخذ، بل نتيجة مسار تاريخي طويل، وأن القفز فوق هذا المسار يهدد الاستقرار أكثر مما يحمي السيادة. هنا لا يتقدّم الخطاب السياسي بوصفه إعلان حسم، بل كأداة احتواء لمرحلة انتقالية حسّاسة، تُدرك فيها الدولة حدود قوتها كما حدود مسؤوليتها.

غير أن هذا لا يلغي حقيقة أساسية، إذ ان وجود وحيازة السلاح خارج إطار الدولة هو في جوهره وبداياته آنذاك ترجمة لبنيان دولة ناقصة. لكنه في الوقت نفسه وفي الحالة اللبنانية تحديدًا، نتاج خوف تراكمي لا يمكن تجاهله. فهواجس حزب الله، ومعه جزء وازن من الطائفة الشيعية، لا ينبع فقط من حسابات إقليمية أو من عقيدة مقاومة، بل يضاف إليها ذاكرة تاريخية تشكّلت على الإقصاء، والتهديد، وتجارب الانكشاف الأمني. إدراج هذه الهواجس في التحليل لا يعني إبقاءها ذريعة سياسية مفتوحة ولا تبرير تعنّت، بل إعتراف أن السياسة التي تتجاهل هواجس المجتمعات لا تنتج حلولًا بل صدمات.

من هنا، يبرز مفهوم “الدولة الحارسة” Minarchist State كبديل عن “الدولة الغائبة”او المنهارة Collapsing or Failed State . فالدولة لا تستعيد احتكارها السلطة والسلاح المشروع عبر الخطاب، بل عبر بناء الثقة، والقدرة، والضمانة. الدولة الحارسة ليست تلك التي ترفع شعار السيادة، بل التي تحرس مواطنيها من الفوضى، وتحرس حدودها من الاستباحة، وتحرس قرارها من الارتهان. وعندما تغيب هذه الوظيفة، ينشأ ما يشبه “السيادة البديلة”، Alternative Sovereignty حيث يتكفّل طرف غير رسمي بما تعجز عنه المؤسسات.

في هذا السياق، تكتسب التحولات الإقليمية والدولية المُستجدّة دلالة خاصة. فتهاوي النظام السوري السابق، وانكفاء جزء أساسي من محور الممانعة عن دوره التقليدي وقدراته، أعادا طرح مسألة السلاح في لبنان خارج منطق “الجبهة المفتوحة”، وضمن معادلات أكثر براغماتية وأقلّ أيديولوجية. السلاح الذي استمدّ مشروعية اقليمية ممانعة يوم اندرج في منظومتها المتماسكة، بات اليوم قوة محلية فائضة حتى عن سياق الردع بمواجهة العدو الاسرائيلي، كما عن نظرية الحقوق المكتسبة في منطقة تتجه نحو إدارة النزاعات لا تفجيرها.

هذا التحوّل لا يعني نهاية تلقائية للسلاح، بل بداية تآكل منطقه التاريخي. والحلّ الممكن، في هذا الإطار، لا يكون قرارًا فجائيًا ولا تسوية غامضة، بل مسارًا تراكميًا يُعيد تعريف الوظيفة الدفاعية ضمن إطار الدولة، ويحوّل الأمن من ملكية فئوية إلى مسؤولية وطنية. فانتقال حزب الله من دور إقليمي إلى موقع وطني دائم لا يتمّ قَسرآ، بل عن قناعة ذاتية باتت مطلوبة بتراجع منسوب الخوف، ترفدها عقلانية قائمة على ظهور الدولة الحارسة بديلآ واقعيآ ثابتآ ومتماسك.

غير أنّ أي مسار كهذا لا يمكن عزله عن سؤال الخارج: إلى أي حدّ يمكن للولايات المتحدة وإسرائيل أن تتفهم ما يراه لبنان ضرورة وجودية لا ترفًا سياسيًا..؟ في منطق الدول، لا تُقاس النوايا بالخطاب بل بالنتائج. واشنطن تنظر إلى لبنان من زاوية إدارة الاستقرار لا إعادة هندسة الدولة، وتفضّل الحلول الرمادية التي تمنع الانفجار من دون المغامرة بتغييرات جذرية. أما إسرائيل، فتختزل المسألة بمعادلة أمنية صرفة: من يضمن الهدوء ومن يملك القرار..؟ هي لا تبحث عن تفهّم السردية اللبنانية، بل عن تصفير التهديد على حدودها الشمالية نهائيآ دون فرصة لإعادة تكوينه، من خلال إتفاقات امنية ثابتة قابلة للاختبار، يتبعها توازيآ مسار اقتصادي ضامن .

هنا يصبح التحدي اللبناني مزدوجًا: إقناع الداخل بأن الدولة ممكنة، وإقناع الخارج بأن هذه الدولة قادرة وجديرة بالثقة. إذ ان احتكار السلاح لا يسبق بناء الثقة، بل يُتوجهّا. والسيادة لا تُفرض كإعلان نوايا، بل تُبنى كوظيفة يومية يشعر بها المواطن بالرعاية والحماية قبل أن يقرأها في البيانات.

في المحصلة، ليست المعضلة اللبنانية صراعًا بين دولة وسلاح، بل بين زمنين: زمن الخوف والتهميش الذي أنتج وقائع بديلة، وزمن الدولة الذي يمكن إستيلاده اليوم دون عملية قيصرية. وعلى هذا المفصل الحساس تقف الدولة إياها بشراذمها الطائفية على الحافة الجيوسياسية والكينونة التاريخية المأزومة: إما أن تنجح في التحوّل من إدارة التناقض إلى تفكيكه، وصولآ إلى مأسسة نهائية مكتملة وفق دستور الطائف بالتزامن مع حيادية مُنقِذة تُطرح، أو تبقى أسيرة توازن هشّ وخلل بنيوي يؤجّل الانفجار الداخلي ولا يمنعه. في هذا الهامش الضيّق، تُقاس جدّية وقدرة الدولة على أن تكون حارسة فعلية على المستويات كافة تبعدها عن مقصلة الضعف والإخضاع لا فكرة مؤجّلة تُستجدّى ..!

——————————

*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية