خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*
وهم التاريخ و النصوص المنقولة عن الأقدمين أكبر خديعة يمارسها البعض؛ فلا أحد يستطيع أن يؤكد صحة اي حدث ومدى دقته دون زيادة او نقصان وبكل موضوعية !! هذا أمر شبه مستحيل ، وكل التلفيقات عن وسائل التأكد، لعب على الغباء الإيديولوجي للبشر الذين يريدون التصديق، فالتاريخ المكتوب يقتل التاريخ المُعاش. أما الذين يعيشون على تأليه وأسطرة التاريخ والنصوص القادمة منه فهم يعانون من نقص في الواقع و إبهام في المستقبل فيلجأون للتاريخ الذي تتجسد فيه المثالية باعتباره ليس تاريخاً للبشر الخطآئين، إنما للآلهة وأنصاف الآلهة (المقدسين) والغريب أن أعدادهم كبيرة !!
التاريخ: بين الواقع والأسطورة
إن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث الماضية، بل هو عملية بناء مستمرة للمعنى والدلالة. ومن هنا، فإن التاريخ ليس حقيقة مطلقة، بل هو تفسير للنصوص والآثار المتبقية من الماضي. وهذا يعني أن التاريخ عرضة للتحريف والتزييف، سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد.
التأليه والتقديس: آليات للسيطرة على الحاضر
إن تأليه التاريخ والنصوص القادمة منه ليس مجرد عملية فكرية، بل هو آلية للسيطرة على الحاضر والمستقبل. فمن خلال تأليه التاريخ، يمكن للسلطة أن تبرر أفعالها الحالية باسم الماضي، وتفرض على الناس رؤية معينة للتاريخ والواقع.
كيف نقرأ التاريخ؟
إن قراءة التاريخ تتطلب منهجية نقدية، حيث يجب علينا أن ننظر إلى النصوص والآثار التاريخية بعيون ناقدة، وأن نبحث عن السياقات الثقافية والاجتماعية التي أنتجت هذه النصوص. كما يجب علينا أن نكون على دراية بالانحيازات الإيديولوجية التي قد تؤثر على تفسيرنا للتاريخ. ومن خلال هذه المنهجية، يمكننا أن نصل إلى فهم أعمق للتاريخ، وأن نميز بين الواقع والأسطورة.
هل نحاكم التاريخ بعقلية الحاضر؟
إن محاكمة التاريخ بعقلية الحاضر هو أمر شائع، ولكن يجب أن نكون حذرين من الوقوع في فخ الأنانية التاريخية. يجب علينا أن نفهم التاريخ في سياقه الخاص، وأن نأخذ بعين الاعتبار الظروف والقيود التي كانت سائدة في ذلك الوقت. ومع ذلك، هذا لا يعني أننا لا يمكننا أن نقيم أحكامًا على الأحداث التاريخية، بل يجب علينا أن نقوم بذلك بطريقة عادلة ومنصفة، تأخذ بعين الاعتبار المعايير والقيم التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
التاريخ المُعاش: البديل للتاريخ المكتوب
إن التاريخ المُعاش هو التاريخ الذي يعيشه الناس في حياتهم اليومية، وهو التاريخ الذي يشكل حياتهم وآرائهم. وهذا التاريخ هو البديل للتقليدي، الذي يقتل الحياة ويجمد الواقع.
بين شيطنة التاريخ وتقديسه:
عندما نتحدث عن قادة التاريخ، يجب أن نتجنب الوقوع في فخين متناقضين. الأول هو تمزيق التاريخ وتقويضه بحجة أن عالمنا الحالي مختلف تمامًا عن عالم الأسبقين. والثاني هو تعظيم التاريخ وقادته إلى درجة التأليه، متجاهلين أن عالمنا الحالي ليس عالمهم وأن البشر جميعًا معرضون للخطأ.
لا ينبغي لنا أن ندافع عن هؤلاء القادة كما لو كانوا جزءًا من هويتنا، لأن هويتنا الحقيقية تتشكل في الحاضر. إن الانشغال المفرط بالماضي وجلد قادته أو تعظيمهم هو علامة على الفقر الروحي والانفصال عن الواقع. الهوية لا تُبنى على جراح الماضي أو أمجاده، بل على العمل والتفاعل مع الحاضر.
دعونا نتوقف عن نقد الماضي ونركز على بناء المستقبل. إن الانشغال بالماضي، سواء كان جلدًا أو تعظيمًا، هو هروب من مسؤوليات الحاضر. فالإنسان يُعرف بأفعاله الحالية، وليس بأمجاده الماضية.
إن وهم التاريخ هو أكبر خديعة يمارسها البعض، فالتاريخ ليس حقيقة مطلقة، بل هو تفسير للنصوص والآثار المتبقية من الماضي. ومن هنا، يجب علينا أن نكون حذرين من التأليه والتقديس، وأن نبحث عن التاريخ المُعاش، الذي يعكس حياتنا وواقعنا.