هنيئآ للسودان وليس للبنان..!

بِقَلَم العميد مُنذِر الايوبي*

دولة عاجزة سياسيآ واقتصاديآ، رئيسها السابق عمر حسن احمد البشير ارتكب جرائم الحرب ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية خلال فترة حكمه لعقود، بحقه عدة مذكرات توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة العليا في جنوب افريقيا.
خلال شهر كانون الاول 2018 وعلى خلفية تراكمات سلبية سياسية معيشية واجتماعية، بدءآ بتفشي الفساد الحكومي وانتشار الفقر المدقع مع ارتفاع نسبة البطالة وفقدان المواد الغذائية الاساسية، وبالتالي تدهور الوضع الاقتصادي العام بشكل غير مسبوق، وصولآ الى انعدام حرية التعبير وملاحقة نشطاء المعارضة السياسية؛ تدفق المواطنين السودانيين بمئات الالاف الى شوارع الخرطوم والمدن الرئيسية الاخرى (بورتسودان، عطبرة، ام درمان وغيرها) في تظاهرات واعتصامات، مطالبين بداية بالاصلاح ووقف الفساد وتحسين الاوضاع الحياتية، حيث واجهتها قوى السلطة من اجهزة الامن الوطني والاستخبارات بالعنف المفرط والرصاص الحي بهدف قمع الاحتجاجات وتضييق الخناق على المعارضين. تسببت المواجهات بسقوط عشرات القتلى والجرحى ومئات المعتقلين؛ وفي خضم العنف الدامي، تطورت الامور وتحولت المطالب الشعبية الى انهاء الحكم الديكتاتوري ذو الوجه الاسلامي المتجذر، والانتقال السلمي الى الحكم المدني القائم على اسس الدولة الديمقراطية.

بالتوازي؛ لم تتأخر الحركة الشعبية من تنظيم نفسها فشكلت لجانها تحت عنوان “قوى الحرية والتغيير” التي ضمت العديد من مجموعات الحراك المدني. وفي اقل من عام ورغم محاولة الرئيس البشير مستدركآ لكن متأخرآ استيعاب الحراك الشعبي عبر وعود اصلاحية اقتصادية وسياسية، اطاح الجيش بقيادة الفريق احمد عوض بن عوف بالنظام بعد خلع الرئيس البشير واعلان حالة الطواريء في البلاد لمدة ثلاثة اشهر، تليها مرحلة انتقالية مدتها سنتين تنتهي باجراء انتخابات حرة..
ودون الاستطراد في مخاض تلك الفترة بما حملته من دموع أُسيلت ودماء اريقت وشهداء إرتقوا كان آخرها مجزرة ارتكبتها قوات الدعم السريع بحق المتظاهرين العزل والابرياء، كما تخللتها سلسلة محاولات انقلابية “صراعات القادة العسكريين” Generals Conflict وصولآ الى اتفاق الاعلان الدستوري بين قوى الحرية والتغيير والسلطة العسكرية، ثم المجلس السيادي، وذلك في اولى الخطوات نحو الدولة المدنية؛ واخيرآ صدور مرسوم رقم 6 لعام 2021 تضمن العودة لنظام الحكم الاقليمي الفدرالي الذي كان يطبق قبل حكم الرئيس المخلوع، وذلك بعد توقيع “اتفاقية جوبا” للسلام مع الحركات المسلحة والجبهة الثورية، في قرار واضح بحماية وحدة السودان وعدم استيلاد الازمات، عبر اقرار استقلالية الاقاليم عن المركز فيما يتعلق بالتشريعات والخدمات وخطط التنمية الاقتصادية دون السياسة الخارجية والدفاعية.

في سياق متصل؛ بين المجلس السيادي بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان ورئيس الحكومة الجديدة عبدالله حمدوك شهد السودان انتقالآ ديمقراطيآ قُدُمآ نحو الدولة المدنية، وخلافآ لكل التوقعات في الشرذمة او استمرار الصراعات الداخلية سواء العسكرية او السياسية المعتادة والمتجذرة في اللا وعي العربي. وبصرف النظر عن المحاولات الاميركية لدفع السودان نحو التطبيع مع اسرائيل، تمكنت الحكومة السودانية من التخلص من العقوبات الاميركية المفروضة وشطب السودان عن قائمة الارهاب، مع تشديد رئيس الوزراء على “ان قضية التطبيع تحتاج الى نقاش عميق وسط قطاعات الشعب السوداني”..

وفي خطوة تعبر عن نضج الشرعية السودانية الجديدة وبناء السودان الحديث وبسعي منها، بعد تنفيذها سلسلة اصلاحات مالية نقدية وتشريعية؛ عقد في 17 من الشهر الحالي مؤتمر باريس تحت شعار «العالم يدعم السودان» لانقاذ وانعاش الاقتصاد مع توفير فرص الاستثمار وتحفيز المشاريع في مجالات الطاقة والزراعة، النقل والبنية التحتية الخ.. وذلك بالتعاون مع نادي باريس والحكومة الفرنسية.
من جهة اخرى كانت اشادة رئيس البنك الدولي. W.B (دايفيد مالباس) David Malpass في سرعة التحول الديمقراطي في السودان والارادة الجدية في السير بالاصلاحات احدى الحوافز الهامة لنجاح المؤتمر وفقآ لما يلي:
•اعفاءات من ديون ثنائية بقيمة اجمالية حوالي 30 مليار دولار.
•الغاء كافة الديون الفرنسية ما يوازي 5 مليار دولار مع تقديم باريس قرضآ بقيمة 1.5 مليار دولار. .
•الغاء ديون النرويج بقيمة 4.5 مليار دولار.
•الغاء ديون المملكة العربية السعودية بقيمة 5 مليار دولار.
•منح 2 مليار دولار من البنك الدولي للاستثمار في برامج الصحة والطاقة.
•تقديم بنك الاستيراد والتمويل الافريقي منحة للحكومة السودانية بقيمة 700 مليار دولار للاستثمار في مشاريع الاتصالات.
•تقديم كل من الولايات المتحدة الاميركية، السويد، ايطاليا منحآ بقيمة 13 مليار دولار لتغطية المتأخرات والاستحقاقات والفوائد المالية.
•العمل على تشجيع وجذب الاستثمارات الاجنبية، مع اعطاء الحكومة تسهيلات ملحوظة للمستثمرين.
في الخلاصة؛ بالرغم من مسيرة الاصلاح المؤلمة التي سيسلكها، تمكن السودان من التقاط الفرصة واستعادة موقعه في منظومة التنمية الدولية بوجه استثماري وسياسي جدي، وسط اهتمام دولي غير مسبوق، وآمال عريضة داخلية ودولية بتنفيذ خطط التنمية ومكافحة استشراء الفقر ، وبالتالي اخراج البلد من ازماته. كما اثمر المؤتمر بنتائجه ايضآ الحصول على الغاء 80% من الديون المتراكمة، بعد وصوله الى “نقطة الانجاز” Completion Point مستوفيآ بذلك شروط مبادرة “هيبك” HIPC التي اطلقها البنك الدولي عام 1996 بهدف مساعدة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون Heavily Indebted Poor Countries.

في السؤال عن الحقيقة.. ماذا عن الوطن المنكوب.؟ من السودان بمساحته الشاسعة 1.886 مليون Km2 وموارده الهامة الى لبنان ال 10452 Km2 ذو المورد الاهم المتمثل بشاباته وشبانه ومغتربيه فإن المقارنة بما حصل ويحصل مأساوية مؤلمة:
•فشلت الانتفاضه الشعبية او الثوره في ايجاد او انتاج مجلس قيادة او هيئة تقود الحركة الاحتجاجية المدنية والسلمية، وتوحد مطالبها لارغام الحكومة في حينه على القيام بالاصلاحات النقدية والاقتصادية والمعيشية.
•فشلت حكومة الرئيس سعد الحريري الاخيرة في انجاز ورقتها الاصلاحية ثم استقالتها تحت وطأة المطالب المحقة والغضب الشعبي، في ظل عدم تعاون الفرقاء السياسيين.
•نجحت السلطة في خردقت التظاهرات والاعتصامات بعسس تخريبي اعتدى على المؤسسات العامة والخاصة، مما اجفل المواطنين ودفعهم للانكفاء الى منازلهم.
•تخوين بعض الحراك عبر دفعه من قبل اجهزة استخباراتية لقطع الطرقات وعزل المناطق بما يعيد الذاكرة الى فترة الحرب الاهلية وحواجز الفتنة الطائفية.
•تواطوء من بعض القوى الامنية عبر مواجهة الاعتصامات بالعنف المفرط، كان من نتائجه سقوط قتلى وفقأ اعين عدد من المتظاهرين بالرصاص المطاطي دون اية محاسبة قضائية وقانونية، وعلى مرأى من وسائل الاعلام المحلية والاجنبية .
•استخدام الدولار الاميركي كاحد اسلحة المواجهة عبر خفض قيمة العملة الوطنية الشرائية، وارتفاع نسبة الفقر والبطالة 60% واستفحال موجة الهجرة.
•استخدام المصارف كورقة ضغط اساسية من خلال حجبها واحتجازها اموال المودعين، دون اي رادع قانوني في انتهاك واضح للدستور والملكية الخاصة.
•فقدان السلع الحيوية والمعيشية والمحروقات والادوية وتهريبها الى خارج الحدود، بما أدى ويؤدي الى الهاء الشعب عن مطالبه وانصرافه لتأمين مصدر رزقه البديل ومتطلباته الحياتية.
•القاء قنابل دخانية وصوتية من صنف التعديلات الدستورية و الاعراف السياسية المبتدعة اجتهادات ما انزل الله بها من سلطان، لتأجيج الفتنة او على الاقل تسريع الخراب.
•انفجار مادة الامونيوم المخزنة منذ سنوات في العنبر رقم 12- مرفأ بيروت، مما اضفى على الكارثة شبهة الافتعال لا الصدفة، وجعل منها ومن مطالب ذوي الشهداء والجرحى مع اعمار ثلث المدينة المهدم قضية جديدة.
•العمل على تشويه سمعة القضاء وفشله في معالجة ملفات الفساد وغيرها، نتيجة التدخلات السياسية مما افقد الناس الثقة بالسلطة القضائية الاهم والاسمى، وهي الملاذ في احقاق الحق.
•فشل الافرقاء السياسيين في التوافق على تشكيل حكومة الانقاذ والمهمة وافشال المبادرة الفرنسية الثمينة، رغم سعي الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لانقاذ البلد من اصل البلاء وهم اصله.
•ربط تشكيل الحكومة الجديدة بالقضايا الاقليمية ووضعها في حالة الانتظار لعدة استحقاقات منها مفاوضات فيينا حول البرنامج النووي الايراني؛ التقارب السعودي الايراني؛ والسعودي السوري؛ الانتخابات الرئاسية الايرانية والرئاسية السورية.
•ترسيم الحدود البحرية مع العدو الاسرائيلي، وبالتالي تصفير الامال بانعدام فرص استثمار حقول الطاقة الغازية او على الاقل تعليقها لاجل غير معروف، وبالتالي انعدام فرص التنمية.
هذا غيض من فيض معاناة اللبنانيين (كهرباء معدومة، تلوث مستفحل، بنية تحتية مهترئة، الخ..) مما حال دون الاصلاحات الاقتصادية والسياسية ومكافحة الفساد والحوكمة الرشيدة، كما جعل من عدم انجاز التدقيق الجنائي وتحقيق شروط البنك الدولي واعادة الاموال المنهوبة ورفع السرية المصرفية واستعادة اموال المودعين وصولآ الى مؤتمر باريس للانقاذ وهمآ سرابآ.

ختامآ؛ تفوق السودان الشقيق وتمكن رغم كل المصاعب السياسية والاقتصادية والانقسامات العرقية والدعوات الانفصالية من السير في طريق الانقاذ والاصلاح بكفاءة وسرعة، لسبب واحد أوحد يتمثل بوطنية مخلصة صافية وارادة جدية حازمة من قادته وبنيه ومؤسسات الدولة الديمقراطية الناشئة..

بالمقابل؛ وعلى استذكار قول للامبراطور الفرنسي نابوليون بونابرت حيث كان الخامس من الشهر الحالي ذكرى وفاته المئوية الثانية «الغباء في السياسة ليس عائقآ».! نجح السياسيين اللبنانيين والطبقة الحاكمة والطغمة الاوليغارشية الحليفة في دفع البلد الجميل الرابض على شواطيء المتوسط الشرقي والمكللة جباله بأرزه وقديسيه ومآذنه نحو الانهيار الشامل وسقوط الهيكل. لكن بصيص ضوء في الانقاذ قد يكون متناغمآ مع مبادرة الرئيس نبيه بري ودعوات سيد بكركي، كما قد يكون حافزآ صحيحآ لتأليف الحكومة المنتظرة، اذ بدت زيارة قائد الجيش العماد جوزيف عون لفرنسا ودون اغراقها في قضايا السيطرة والنفوذ من هذا البلد او ذاك، علامة فارقة في مستوى الثقة بالمؤسسة العسكرية، ثم قيمتها المضافة باجتماعه مع الرئيس الفرنسي ماكرون. وعلى ما يبدو قد يكون هذا اللقاء ايضآ من نوع “صنع في لبنان”، العصا التي لوح بها مرارآ سيد الاليزيه ومؤخرآ وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان، في عمقها العقوبة المعنوية الاقسى والاهم بوجه بعض الافرقاء السياسيين والمعطلين الذين يبنون طموحاتهم على خراب البلد، بمعنى ان دعم الجيش وقيادته هو الدواء المحلي ..!

بيروت في 28.05.2021
*كاتب وباحث في الشؤون الامنية والاستراتيجية