هل يكون لبنان مدخلاً لسلامٍ مؤجل…؟
خاص -“أخبار الدنيا”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
في الحروب الكبرى لا تُقرأ الوقائع فقط على وقع المدافع، بل أيضاً في مقالات مراكز التفكير التي تحاول استشراف شكل العالم بعد تبدد غبار المعارك. من هذا الباب جاء مقال الباحث الأميركي Robert Satlof يوم امس في صحيفة Los Angeles Times حيث طرح فكرة لافتة مفادها “أن الهدف الاستراتيجي للحرب الدائرة في الشرق الأوسط يتمثل في تحجيم نفوذ إيران، وإن لبنان قد يشكل الساحة الأكثر قابلية لإحداث اختراق نحو السلام إذا ما قررت واشنطن استثمار اللحظة السياسية”.
قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى فرضية نظرية منها إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق. غير أن صدورها عن باحث يقود أحد أبرز مراكز التفكير في واشنطن The Washington Institute for Near East Policy، يمنحها دلالة أبعد من مجرد رأي عابر في صحيفة، او إلقاء كلام على عواهنه…
ينطلق الطرح من معادلة استراتيجية واضحة: إذا تراجع النفوذ الإيراني في الإقليم، ولا سيما عبر إضعاف دور حزب الله، فإن الحدود الجنوبية قد تتحول من ساحة اشتباك دائم مع اسرائيل الى مساحة يمكن فيها بناء ترتيبات أمنية جديدة، وربما مسار تفاوضي طويل يقود في النهاية إلى شكل من أشكال السلام.
هذا التصور يعكس مدرسة تفكير معروفة في بعض الدوائر الاستراتيجية الأميركية، ترى أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط تمر عبر تفكيك شبكات النفوذ الإقليمي غير الدولتي وإعادة تركيز القوة في يد الدول المركزية. وفي هذه القراءة يصبح لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته، نقطة تقاطع حساسة بين مشاريع النفوذ المتنافسة في المنطقة.
لكن الانتقال من التنظير إلى الواقع يصطدم بسلسلة من التعقيدات التي تجعل المسألة أكثر تشابكاً مما تبدو عليه في التحليلات النظرية.
أول هذه التعقيدات أن الحديث عن “هزيمة” إيران يفترض إمكانية حسم صراع إقليمي متعدد الطبقات في معركة واحدة، وهو افتراض لا ينسجم مع قدراتها على المواجهة الظاهرة حتى الآن، ولا مع طبيعة التوازنات الدولية المعاصرة. إذ رغم كل الضجيج المُثار إلا أنّ دوائر القرار العميقة في واشنطن تميل إلى احتواء النظام وتقليص نفوذه لا إسقاطه، لما يحمله ذلك من مخاطر انفجار إقليمي واسع من الصعب ضبط نتائجه. في هذا السياق سجل يوم امس اتصال هاتفي بين الرئيس ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، وعلى ما ينقل مراقبين فإن هذا الأمر كان الموضوع الاساس اضافة إلى الاشتباك الروسي – الاوكراني طبعآ…
أما التعقيد الثاني فيكمن في طبيعة النظام اللبناني نفسه. فلبنان ليس دولة مركزية بسيطة القرار، بل كيان سياسي مُركب تتقاطع فيه اعتبارات الطوائف والتوازنات الداخلية والذاكرة التاريخية للحروب. ومن ثم فإن أي تحول جذري في سياسته الخارجية لا يمكن أن يتم بقرار خارجي أو بضغط إقليمي فقط، بل يحتاج إلى توافق داخلي عميق يتجاوز الحسابات الآنية للقوى السياسية.
التعقيد الثالث يرتبط بحسابات القوى الإقليمية ذاتها. بالنسبة إلى طهران، يشكل وجود قوة حليفة على حدود إسرائيل ورقة ردع استراتيجية يصعب التخلي عنها دون مقابل سياسي كبير. أما إسرائيل فتنظر إلى الجبهة اللبنانية بوصفها أخطر جبهة صاروخية محتملة، ما يجعل أولويتها الأساسية إزالة التهديد العسكري قبل التفكير في أي مسار سياسي طويل.
عند تقاطع هذه الحسابات تبدو المنطقة على الفالق الزلزالي. وكل محاولة لإعادة ترتيب التوازنات فيها تفتح تلقائياً أسئلة جديدة حول مستقبل النظام الإقليمي برمته. ومع ذلك، فإن مجرد طرح فكرة السلام اللبناني–الإسرائيلي في بعض الدوائر الفكرية الغربية يحمل دلالة سياسية مهمة. اذ ان البلد ظل لعقود ساحة صراع بالوكالة ليظهر اليوم في بعض التحليلات باعتباره ممراً محتملاً لتسويات أوسع في الشرق الأوسط.
ثم ان التجربة التاريخية للمنطقة تقول ان السلام لا يولد فقط من تغير موازين القوة، بل من لحظة إدراك جماعي بأن استمرار الصراع أصبح أكثر كلفة من إنهائه. وحتى الآن لا يبدو أن هذه اللحظة قد نضجت بالكامل في كل العواصم المعنية.
يبقى أن لبنان، بحكم موقعه الجغرافي ونظامه القائم على توازنات داخلية حساسة، سيظل في قلب المعادلة الإقليمية، سواء كخط تماس بين مشاريع النفوذ المتنافسة أو كجسر محتمل نحو تسويات لم تتضح ملامحها… هو في هذا الشرق على نقطة المفصل بين استراتيجيات القوى الكبرى. ليكون السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط ما إذا كان لبنان يمكن أن يصبح مدخلاً لسلامٍ إقليمي، بل ما إذا كان قادراً قبل ذلك على حماية نفسه من أن يتحول مرة أخرى ساحة تُختبر فيها مشاريع الآخرين…
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية