هل الكتب المصنفة ب”الاكثر مبيعاً” في معارض الكتب حقيقة؟ أم خدعة ناشر؟

 

الدنيا نيوز – دانيا يوسف*

انتهت التظاهرة الثقافية المتمثلة بمعرض بيروت للكتاب عام 2018 في دورته الثانية والستين.
المتجوّل بين دور النشر المختلفة تطالعه بكثرة شعارات برّاقة ترفل بها الرفوف المحمّلة بكتب من مختلف الألوان والأحجام …
تغريك بعض الاعلانات لاقتناء كتاب محدّد يعدك بالتشويق والمتعة والإنضمام سريعا لكوكبة القراء الورديين في عصر الوجبة السريعة والقراءة السريعة …
لا تحتاج دور النشر إلى إعلان مبهر: يكفي أن يتصّدر أي كتاب لديها عبارات مثل : “الإصدار الأعلى مبيعا” أو “المترجم لأكثر من ثلاثين لغة” أو “كتبت عنه نيويورك تايمز كذا وأشاد بها فلان…” هكذا يسهل عليك التوجه صوب العنوان المحظوظ واقتناؤه.
عندما كتب الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل كتابه “تاريخ القراءة” الذي استغرق سبع سنوات لكتابته قال: “أنا قارئ ينشد المتعة: لم أشأ أن يكون للشعور بالواجب يد في شأن شخصي كشراء الكتب”. لقد كان يؤمن بأن “واجبنا الأخلاقي يتمثّل في أن نكون سعداء، وآمن بأنه يمكن العثور على السعادة في الكتب، ومع ذلك لم يتسنّ له أن يُفسّر لماذا كان الأمر هكذا”.
في معارض الكتب، ما إن تسللت الإعتبارات التجارية إلى مجال النشر والتحرير حتى صارت الكتب على رأي ألبرتو مانغويل أشياء ذات بعد واحد: كتبا تتسم بالسطحية ولا تتيح للقراء إمكانية الاستكشاف. هذه الصنمية التجارية التي هيمنت على حقول النشاط البشري بما فيها الوعي نفسه، أثّرت بشكل واضح على عادات القراءة من خلال إقصاء الفكر ودفع القارئ إلى قبول أن الكتب الجيدة هي تلك المحضرة له مسبقا حسب رأي مانغويل. ويضيف: “تفرِد ملاحق الكتب المفروضة بفعل سياسة صحافية عامة لمخاطبة قراء يفترض أنهم ضئيلو الثقافة مساحة أكبر فأكبر لتلك الكتب الشبيهة بالوجبات السريعة… بحيث تخلق الإنطباع بأن كتب الوجبات السريعة تملك قيمة مماثلة لأي كتاب كلاسيكي من الطراز القديم … أو أن القراء ليسوا مؤهلين بما يكفي للاستمتاع بالأدب الجيد”.
أصبحت أغلفة الكتب مرفقة بعبارات تحفيزية من قبيل: ” الكتاب الذي حقق مبيعات منقطعة النظير”. أو” مؤلف الكتب الأفضل مبيعا والتي طبعت منها ملايين النسخ”. وفي أغلب الأحيان يتصدر الغلاف انطباع صحفي أو كاتب مرموق أو مقتطف من مجلة تشيد بالكتاب على نحو طريف … نجد مثلا على غلاف “الدليل الكامل للتحكم في الذاكرة” لهاري لورين هذه العبارة من مجلة مونيلاينز:
” من الخبير العالمي الرائد في مجال تدريب العقل والذاكرة… إليك أكثر كتب تدريب الذاكرة وضوحا وتحديدا وفعالية وفائدة”…
طبعا دون أن تكلف المجلة خاطرها لحصر كل الإصدارات العالمية في هذا المجال وتقييمها ثم تحديد المعايير التي منحت السبق لهذا الكتاب !
وهذا ما يجعل الإقبال على الكتب الأكثر مبيعا مجرد ضرورة إجتماعية وليست ميزة ثقافية تعكس القراءة الجادة … فأغلب هذه الإصدارات يجدها المسافر في كشك بمحطة القطار أو المطار ليتصفحها سريعا ثم يخلفها وراءه … وهذا بطبيعة الحال لا يشمل كل الإصدارات بل أغلبها خاصة بعد أن هيمنت سمات الصورة على الخطاب المكتوب نفسه…
ويعالج الأكاديمي البريطاني رونان ماكدونالد الظاهرة من زاوية أخرى تتعلق بتراجع دور الناقد في توجيه حركة القراءة وتدريب وعي القارئ على الغربلة و التقويم … ففي العقود الأربعة الأخيرة جرى التمهيد لموت الناقد وحصر مهامه داخل أسوار الأكاديمية وبالتالي حرم القارئ المتعطش من رأي الناقد المتخصص في العناوين التي تدفع بها دور النشر للأسواق . هكذا تولى العمل بعض نقاد الصحف غير المتخصصين ومقدمو البرامج الحوارية المتلفزة ليوجهوا ذوق القراء بناء على أحكامهم الشخصية … ورغم أن ماكدونالد يوجه نقده لهذا التحول الجذري داخل الثقافة الأنغلوساكسونية إلا أن المؤشرات على الساحة العربية تتزايد لمواجهة العزوف عن القراءة بوهم القراءة !
فتكريس موضة “الأكثر مبيعا” في مشهدنا الثقافي دفع بالعديد من العناوين إلى الواجهة دون معايير محددة… فأغلب العناوين المختارة تغذي حاجة إجتماعية أو نفسية مشتركة. وهكذا تنتفي الفروق بين الكتب وباقي المنتوجات السلعية…
إن عبارة “الأكثر مبيعا” قد تحقق للناشر ما يرجوه من أرباح وتجعل من بعض الكتّاب ذوي المواهب المحدودة أيقونات في عالم التواصل الإفتراضي حيث تضج الشبكات بمقولاتهم الجيدة والرديئة … لكنها لا تسهم بأي شكل من الأشكال في حلحلة وضع القراءة الراكد وحل المشكلات التي لا يكف إتحاد الناشرين العرب عن التصدي لها ومن ضمنها: الإهتمام بتنمية عادة القراءة عند الصغار واستمرار آفة الأمية التي تقلل من حجم المطبوعات ناهيك عن تعاظم أجهزة الرقابة وتشددها في أكثر من بلد عربي.
اذا نحن أحوج ما نكون في الحقيقة إلى مبادرات صادقة تعيد الإنسان العربي إلى حضن الكتاب والمكتبات . مبادرات شبيهة بالتي حدثت في فرنسا سنة 1993 حين لاحظ المسؤولون تراجعاً يسيراً في القراءة عند الشعب الفرنسي. فترك وزير الثقافة مكتبه لينزل برفقة كبار المؤلفين الفرنسيين والمهتمين بصناعة الكتاب إلى الشوارع والحدائق والساحات ويفتحوا أبواب المكتبات أمام الجماهير لترغيبها مجددا في القراءة.
تهتم كل الصناعات اليوم بتوسيع شريحة المستهلكين غير أن صناعة الكتاب الحقة كما يقول مانغويل “ينبغي أن تهتم بتثقيفنا في أوقات غبائنا لأننا لا نولد أغبياء بالفطرة !”