لماذا يلجأ الناس إلى تصديق الشائعات في الكوارث والأزمات؟ كورونا مثالاً

 

“الدنيا نيوز – دانيا يوسف

يقول جان ماري دومنياك في كتابه “الدعاية السياسية” إنّ الشائعة هي أوبئة سيكولوجية حقيقية نُشرت عمداً. ورغم أنّ الشائعة تُمثّل دعاية سياسية في مُعظم الأحيان، تعمل السلطات أو الفاعلون السياسيون على خلقها وتأكيدها وتكرارها لأهداف سياسية أو اقتصادية، حتّى تُصبح حقيقة بالنسبة للجماهير، الذين يصدقونها ويتداولونها بدورهم، إلّا أنّ الشائعة تتخذ مسارات أخرى فيكون الجمهور في بعض الأحيان، هو مصدر الإشاعة ومروجها في آن، خاصة في الكوارث والأزمات والظروف الصعبة، بوصفها بيئة خصبة لانتشار الأخبار المُضللة والكاذبة، وهو ما أشار إليه عالما النفس جوردون ألبورت وليو بوستمان، في كتابهما “علم نفس الشائعة”.
فلماذا يلجأ الناس إلى تداول الشائعات في الكوارث والأزمات؟
وضع ألبورت وبوستمان، معادلة جبرية حول الشائعات، مفادها أنّ قوة انتشار الشائعة تساوي أهمية موضوعها مضروباً بمدى الغموض حول الموضوع. وفي هذا الصدد؛ يُشير دومنياك إلى أنّ قوة الشائعة تزداد عندما يكون لدى الناس رغبة في تصديقها؛ حيث إنّ الإنسان يسرّه تكرار القصص التي تُحقّق شكوكه وتُعبّر عن مخاوفه، بل يشعر بالمتعة والرضا عندما يسمعها ويُكررها.
ولا شكّ أنّ جائحة بحجم تفشي فيروس كورونا في جميع أنحاء العالم، وعجز الدول والمجتمعات عن مواجهة تأثيره وتبعاته الصحية والاجتماعية والاقتصادية وحتّى السياسية، فضلاً عن الضبابية وعدم اليقين التي تلف الموضوع وما يصاحبها من غموض حول طبيعية الفيروس وإمكانية إيجاد لقاح له، تخلق حالة من الرعب في نفوس الناس ما يدفعهم إلى اللجوء إلى تصديق الشائعات وتداولها.
وقد يكون إطلاق الشائعات وتداولها منظماً ومدروساً في بعض الأحيان، وعفوياً في أحيان أخرى؛ حيث تلجأ إليها السلطات لتحقيق أهداف سياسية، ومثال ذلك محاولات بعض الدول التخفيف من وقع كارثة كورونا من خلال أخبار كاذبة أو مُضللة حول مدى انتشار الفيروس في الدولة، أو تضخيم بعض الإنجازات حول جهود الدولة في احتواء الفيروس بغرض الدعاية من جهة، والسيطرة على حالة الرعب التي دبّت في نفوس الناس من جهة أخرى، حفاظاً على الوضع الراهن للتخفيف من حِدة تأثير الوباء على اقتصاد الدولة، وهو ما يميل الناس إلى تصديقه وتداوله لما يخلقه من شعور بالراحة والطمأنينة. ومن جهة ثانية؛ تلجأ بعض الشركات واللوبيات الاقتصادية لإصدار الشائعات التي تُضخّم من الوباء، بهدف التلاعب في وعي المستهلك وتوجيهه نحو سلعة ما.
وعلى صعيد الجماهير؛ يُشكّل الخوف من المجهول، والغموض الذي يلف الفيروس الأساس الذي يجعلهم يميلون لتصديق هذه الشائعات وتداولها على نطاق واسع، بالإضافة إلى دوافع أخرى كالبحث عن الشهرة من خلال نشر شائعات مثيرة حول الفيروس. كما تلعب الأيديولوجيا أو المعتقدات السياسية والدينية دوراً في تداول تلك الشائعات المبنية على نظرية المؤامرة، التي يميل الناس إلى تصديقها؛ لأنّها تُغّذي قناعات موجودة أصلاً عندهم، أو بدافع الهلع مرة أخرى.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة “إندبندنت” البريطانية، يرى علماء النفس أنّ عقولنا تمارس “التحيز”؛ إذ يحاول البشر دفع القلق من المستقبل بعيداً عن أذهانهم عبر الحصول على أجوبة بسيطة وسهلة، وبما أنّ عقولنا منحازة على مستوى اللاوعي نحو تصديق كل ما يتناسب مع ما نشأنا عليه، يصبح أي تفسير محتمل لما يدور حولنا سهل التصديق بالنسبة لعقولنا، حتى لو لم يكن هذا التفسير منطقياً بالضرورة.
كيف تؤثّر الشائعة على الوعي الجمعي للناس؟
يقول غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير”؛ “في بعض الظروف، يمكن لتكتّل ما من البشر أن يمتلك خصائص جديدة مختلفة جداً عن خصائص كُل فرد يُشكل هذا التكتل؛ حيث تنطمس الشخصية الواعية للفرد وتصبح عواطف وأفكار الوحدات المُصغّرة المشكّلة للجمهور موجهة في نفس الاتجاه، وتتشكّل عندئذٍ كينونة واحدة وتصبح خاضعة لقانون الوحدة العقلية للجماهير”، ما يعني أنّ حتّى أولئك الأفراد الواعين القادرين في الظروف الطبيعية على كشف الشائعة والتمييز بين الحقيقة والكذب، يصبحون، بفعل الكارثة، جزءاً من الجماهير التي تتأثر بكل ما تسمعه.
وفي حين تعمل الشائعات في الظروف الطبيعية على خلق وعي جمعي مشوّه وتُعيد خلق الحقائق وترتيب أولويات الشعوب، يكون أثرها مضاعفاً في الكوارث والأزمات؛ حيث تُسهم في مضاعفة الخوف والهلع الموجودين أصلاً بفعل الكارثة، في حالة الشائعات التي تعمل على تضخيم الكارثة، ويؤدي هذا الهلع إلى حالة من التخبّط في التعامل مع الكارثة وقد يؤدي إلى اليأس واللامبالاة.
فيما تدفع الشائعات التي من شأنها التخفيف من أثر الكارثة؛ كنظريات المؤامرة أو تلك التي تدعي بأنّ الفيروس لا يضر سوى فئات عمرية مُحدّدة، وهو ما نفته منظمة الصحة العالمية، تدفع الناس إلى الاستخفاف بالوباء والامتناع عن اتباع الإجراءات الاحترازية، ما يؤدي إلى تضاعف الحالات المُصابة.
كما تؤدي الشائعات العشوائية حول عدد الإصابات أو أعراض المرض أو وسائل الوقاية منه، إلى زيادة الضبابية حول المعلومات المتاحة عن الفيروس، ما يخلق جنون الارتياب لدى الناس من أي معلومة متاحة؛ فيفقدون الثقة حتّى بالمصادر الرسمية وهو ما يُفشل جهود الدول والمنظمات الصحيّة في مكافحة الفيروس.
كيف نواجه الشائعات؟
بحسب معادلة ألبورت وبوستمان حول الشائعات؛ فإنّ الغموض الذي يلف موضوع الشائعة يُمثّل عاملاً حاسماً في انتشارها، ما يعني أنّ الوسيلة الأولى والأهم في محاربتها هي الكشف عن أكبر قدر ممكن من الحقائق، وتأكيدها وتكرارها، بنفس الطريقة التي تنتشر فيها الشائعات. وتقع على عاتق وسائل الإعلام مسؤولية أخلاقية ومهنية كبيرة في هذا الموضوع؛ تبدأ بتوخي الدقة في نشر الأخبار والسرعة في توفير المعلومة، بالإضافة إلى محاربة الشائعات وتفنيدها وتصحيحها من خلال تتبّع الخبر من مصدره.
وفي هذا الصدد، عملت منظمة الصحة العالمية جهدها على توفير كُل المعلومات المُتاحة حتّى الآن بخصوص طبيعة الفيروس وآليات الوقاية منه على موقعها الرسمي، كما تعاون موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك؛ حيث أتاح خاصية التأكّد من صحة الأخبار المتعلقة بكورونا التي تنتشر على الموقع لجميع المستخدمين، وقد كانت هذه الخاصية في السابق مُتاحة للصحفيين فقط، وقد عملت العديد من المواقع الإخبارية على إنشاء أقسام خاصة لكشف الأخبار الكاذبة حول الفيروس، فضلاً عن عشرات المنصات والمواقع التي أُنشأت لغرض التحقّق من صحة الأخبار والإشاعات قبل الجائحة، وكثّفت جهودها بعد انتشار الفيروس.