كيف نزرع العنف في وسائد البراءة..؟
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم د. ميشلين بيطار*
عند المساء، حين تخفّ الأصوات وتُطفأ الأنوار، لا ينام الأطفال في هذا الشرق الشقي وحدهم.
تنام معهم الكلمات التي لقّنّاهم إيّاها، والصور التي زرعناها في خيالهم عن العالم.
فَينام طفلٌ يهودي وقد تعلّم أن على السماء أن تمطر نارًا كي يبقى هو على قيد الحياة. وأن الآخر، في الجهة المقابلة من الخريطة،
وُلد على الهامش الخطأ من الرواية.
وينام طفلٌ مسيحي وقد قيل له إن الإيمان درع، وإن النجاة تسبق المحبّة، وإن الجار المختلف مشروع إرهاب حتى يثبت العكس.
وينام طفلٌ مسلم وقد سبقته اللغة إلى وعيه: صيغٌ أُغلِقت قبل أن تُفهم. فلم يُعلَّم أن هذه الكلمات تاريخ ومعنى وتأويل، و أن رسوله جاء رحمة للعالمين.
الأطفال لا يكرهون لأنهم اختاروا الكراهية، بل لأننا علّمناهم أن العالم مكان مهدِّد، وأن الهوية لا تُحفظ إلا بالتيقّظ، وأن الاختلاف شرخ يجب إغلاقه باكرًا.
هنا لا يبدأ العنف من الرصاصة، بل من اليقين.
اليقين الذي لا يترك للشك نافذة، ولا يسمح للآخر أن يكون مختلفًا من دون أن يكون مخطئًا.
حين يُختزل الدين إلى هوية صلبة، يفقد قدرته على تهذيب الغرائز، ويتحوّل إلى أداة فرز:
هذا ينتمي، وهذا يُقصى.
الإقصاء ليس كلمة قاسية فحسب، بل طريقة تفكير .حين تنفصل عن الأخلاق والرحمة،
تجعل إلغاء الآخر ممكنًا من دون شعور بالذنب. وحين يُلقَّن الطفل هذا المنطق، لا يعود العنف مفاجئًا، بل مؤجَّلًا.
نحن لا نربّي أطفالًا على الإيمان، بل على الحراسة. نعلّمهم مَن يجب الخوف منه قبل أن نعلّمهم كيف يحبّون.
ثم يكبرون، ونندهش من الخراب، ونبحث عن أسبابه في السياسة، أو في الخارج، وننسى أننا تركناه كل ليلة على وسادتهم.
العنف لا يولد من السماء، بل من لغةٍ لم تُسأل، ومن يقينٍ لم يُفكَّر فيه، ومن خوفٍ ارتدى ثوب الحقيقة. المشكلة ليست في دينٍ بعينه، بل في الطريقة التي نحمل بها الأديان.
من ذات الشجرة خرجت كلمات الرحمة كما خرجت السكاكين، ومن الجذر نفسه صعد الأنبياء كما صعد القتلة. ليست الشجرة بريئة ولا مذنبة، اليد التي تقطف هي التي تختار الثمر.
الأديان، كلّها، بدأت محاولةً لفهم الخوف، وتهذيب العنف، وإعطاء معنى للألم. لكنها حين تُختزل إلى شعارات، وتُغلق على تأويلٍ واحد، تتحوّل من مساحة خلاص إلى ساحة صراع.
الطفل المسلم لا يولد محمّلًا بالكراهية، كما لا يولد الطفل المسيحي أو اليهودي.
نحن من نختار أيَّ غصنٍ نقدّمه له: غصن السؤال أو غصن اليقين القاطع، غصن المعنى أو غصن الخوف.
وحين نربّي أبناءنا على أن الدين جدار لا نافذة، وهوية لا مسؤولية، نكون قد خُنّا جوهره من دون أن نشعر.
العنف لا اسم له في الكتب، له فقط لغة. واللغة، إن لم تُسأل، تصير سلاحًا. العنف لا يولد من نصّ، بل من قراءةٍ وحيدة، ومن قلبٍ لم يتدرّب على الرحمة.
ربما ما نحتاجه ليس إيمانًا أقل، بل إيمانًا أعمق. إيمانًا يعرف أن الآخر ليس تهديدًا، بل اختبارًا للضمير. وحده السؤال، الذي لا يخاف من الشك، يعيد الأديان إلى أصلها: محاولة بشرية لأن نكون أقل قسوة. أما الصمت، فليس حيادًا، بل غصنًا آخر يُترك ليحمل ما لا نريد رؤيته.
————————–
*طبيبة وكاتبة لبنانية.