قطرةُ دمٍ وقطرةُ دمع… ما بين الفقدِ والخُلود…
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الايوبي
ليست قَطْرةُ الدمِ مُجرّد سائلٍ أحمر يسيلُ على تراب الجنوب، ولا قطرة الدمع مجرّد ماءٍ مالحٍ ينحَدِر من عينِ أمٍ مفجوعة.. بينهما مسافة عمرٍ كامل، وحكاية وطن، ووجع لا يُقاس بالكلمات…
في الجنوب، الأرض تحْفَظ أسماء أبنائها، قطرة الدم تغدو توقيعًا أخيرًا على صفحةِ الانتماء…
الدم هناك لا يضيع في التراب، بل يمتزج بِه، حارسًا للحقِ والذاكرة..
اللحظة خانِقَة تختصِرُ سنوات من انتظار، خوفٌ وصمتُ دعاء. لكن قبل أن تصِل قطرة الدم إلى الأرض، تكون قطرة الدمع قد سبقتها إلى السماء…
دمعةُ أمٍّ ليست ضُعفًا، بل صلاةٍ سائِلة.. دمعةُ أبٍ ليست انكسارًا، بل حُزن فقدان.. دمعةُ زوجةٍ أو طفلٍ محاولة بريئة لفهم ما لا يُفهم..! أنى لحيوّات تملأ البيوت ضحكًا أن تتحول صورآ مُعلّقة على الجدران..؟
في كل بيتٍ جنوبيٍّ حكايات واحدة وإن اختلفت في التفاصيل… نهاياتها سُبحةٌ تركها صاحبها على الطاولة، وصوتٌ لا يزال يتردد في الذاكرة..!
قطرة الدم أنهَت الجسد.. لكن قطرة الدمع بِدءُ حكاية الخلود… الدم يكتُب الحَدَث، والدمع يَحْفُر المعنى…
الشهيد لا يُختزل بلحظةِ استشهاده، بل يمتدُ في ذاكرة أهله، في وجوه رفاقه، وفي الطرقات التي عبرها..
كُل دمعةٍ ذُرِفت من عين أمٍّ هي عهدٌ صامت بأن يبقى الاسم حيًا، وأن لا يتحول الفقد رقمآ في نشرة أخبار…
تعلّم الناس أن الحُزن لا يلغي الكرامة، وأن الوجع يمكن أن يسكُن القلب دون أن يُسقط الرأس…
قطرة الدم تقول إن هناك من دفع الثمن، وقطرة الدمع تقول إن هناك من سيحمل الذاكرة..
ولعل أصدق ما في المَشهد أن الدم والدمع لا يتنازعان.. أحدهما فعلُ تضحية، والآخر فعل وفاء.. أحدهما لحظة مواجهة، والآخر عمرٌ كامل من الصبر…
حين تجفّ الدماء على الأرض، تبقى الدموع شاهِدة على أن القضية لم تكُن شعارًا، بل كانت أبناءً وأحلامًا وبيوتًا…وحين تتوقف الدموع عن الظُهور، لا يعني ذلك أن الحزن انتهى، بل أنه صارَ أعمق.. صار جزءًا من نَسيج الروح…
قطرة دمٍ في الجنوب قد تبدو صغيرة في ميزان العالم، لكنّها في ميزان الأهل كونٌ كامل…
وقطرةُ دمعٍ واحدة من عينٍ تتألم أثقل من كل خطابات السياسة، لأنها صادقة، لأنها عاريّة من الحسابات، مَغموسَة بالحُب وحده…
هكذا يبقى الوطن واقفًا بين دمٍ صَعَد ودمعٍ إنهمَر، بين فراقٍ لا يُحتَمل وكرامةٍ لا تُساوَم.. وبين وجعٍ خاصٍّ وأملٍ عامٍّ بأن لا تكون التضحيات عبثًا.. وأن يكون لكل قطرة دمٍ معنى، ولكل قطرةِ دمعٍ عَزاء…
*عميد متقاعد؛ كاتب