عملية “العزم المُطلق” وإنعكاساتها الاستراتيجية على السياسة الأميركية..
خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تنفيذ عملية ‘Operation Absolute Resolve أدت إلى توقيف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وإقتياده ليواجه اتهامات امام محكمة نيويورك الفدرالية تتعلق بـ”التآمر في إطار الإرهاب المرتبط بالمخدرات، والتآمر بشأن استيراد الكوكايين”.. تكون مفردات السياسة العالمية دخلت مرحلة جديدة سمتها القفز فوق أكثر المحرّمات رسوخًا في العلاقات الدولية، “اختطاف رئيس دولة ذات سيادة عبر قوة أجنبية دون تفويض أممي او حكم صادر عن المحكمة الجنائية الدولية”..
كما شكلت العملية ايضآ سابقة ثقيلة التَبعات. فَ واشنطن لم تكتفِ هذه المرة بإدارة خصومة أو احتواء نظام معادٍ بالعقوبات او الحصار الاقتصادي، بل انتقلت إلى “منطق الحسم المباشر” Direct Resolution مُثْبِتَةً تحوّلآ في العقيدة الاستراتيجية؛ مؤشر قناعة الرئيس ترامب أن أدوات ما بعد الحرب الباردة لم تعد صالحة لضبط الأنظمة الخارجة عن الإرادة الأميركية، حتى لو استدعى ذلك إعادة تعريف الخطوط الحمراء الدولية.
في المقابل، وضع الحدث الشرعية الدولية أمام اختبار قاسٍ. إذ ان نفوذها ودورها في الدفاع عن النظام الدولي القائم على القانون والمؤسسات، تم تجاوزه ليشكل إضعافآ لقدرتها كمرجعية أخلاقية، دولية وقانونية. كما لا يمكن تجاهل ان هذه السابقة ستُستخدم لاحقًا لتبرير سياسات تدخلية لقوى دولية أخرى: (روسيا/دول الاتحاد السوفييتي السابق- الصين/ جزيرة تايوان- اسرائيل/ المساحة الضيقة.. الخ..)، ليسود منطق القواعد غير ملزمة إن تعارضت مع الاستراتيجيات الجيوسياسية وتوازنات القوة.
إستطرادآ؛ سيحمل اعتقال مادورو أثرًا معاكسًا يتمثل في دفع الأنظمة القَلِقَّة او المعادية إلى تسريع إجراءات “التحصّن” Fortification عبر تشديد القبضة الأمنية، تعزيز القدرات العسكرية، وتوسيع دوائر الاحتماء بقوى دولية منافسة. بذلك يتحول الردع من أداة ضبط إلى عامل دفع لإعادة الاصطفاف الدولي، وبالتالي تحول النفوذ الأميركي القائم على الشراكة إلى نفوذ مفروض بالخشيَّة.
من جهة اخرى؛ يصح السؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك رؤية واضحة لفنزويلا ما بعد مادورو..؟.
الوقائع تشير حتى الآن أن العملية لم تكن في سياق مخطط سياسي مكتمل، بل ضمن إطار الترامبية الجديدة New Trupism.؛ «تعرف بدقة ما لا تريده في فنزويلا المقبلة: دولة فاشلة، نظام معادي، فراغ يسمح بتغلغل الأعداء» لكنها لم تحسم بعد شكل النظام البديل. بمعنى هل ستعتمد إدارة انتقال طويل الأمد يقوم على “الاستقرار الوظيفي” Job Stability للدولة؛ لا على هندسة سياسية حليفة بمعنى سلطة قابلة للضبط، تحفظ وحدة الدولة، تؤمّن قطاع الطاقة، وتعيد إدماج فنزويلا تدريجيًا في المنظومة الاقتصادية الاميركية.
على صعيد الداخل الاميركي، سيثير القرار نقاشآ متزايدآ حول صلاحيات استخدام القوة، دور الكونغرس، وحدود التفويض الرئاسي خارج إطار الحرب المعلنة. مثل هذه السوابق لا تُقاس فقط بنتائجها الخارجية، بل بما تخلّفه من تصدّعات قانونية وسياسية مُعتبرة، وغير عابرة داخل النظام السياسي الأميركي.
اما دول أميركا اللاتينية، فستعيد قراءاتها ضمن حالة (إعادة التموضع الحَذِر) Cautionary Repositioning؛ إذ الرسالة الضمنية أوسع من ممارسات الحُكم في فنزويلا، بل تتجاوزها إلى مفهوم السيادة ذاته، حين يصبح مشروطًا بالتوافق مع التعريف الأميركي للأمن والاستقرار.
أخيرآ؛ يُذَكِر هذا المسار بسابقة تاريخية، يوم أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، عقب اعتقال مانويل نورييغا في بنما عام 1989، أن الولايات المتحدة “لا تسعى إلى الاحتلال، بل إلى استعادة النظام وترك المستقبل لشعب الدولة المعنية”. غير أن التجربة أثبتت آنذاك أن إسقاط الرأس أسهل بكثير من ضبط ما يليه.
اليوم، يتكرر المشهد مع اختلاف السياق الدولي واتساع مخاطره: لحظة شعارها “لنجعل اميركا عظيمة مجددآ” MAGA. هنا تكمن المفارقة الاستراتيجية الأعمق—أن السياسة تَستخدِم الصدمة لضبط الأنظمة، لكنها قد تكون في آن “مأسسةٌ” Institutionalization لدول أكثر هشاشة، وأقل قابلية للرضوخ..!
*عميد متقاعد، كاتب.