طرابلس… مرثية بيتٍ لا يُسمّع أنينه..!

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم : العميد منذر الأيوبي

 

بصبرٍ شبه مُرّ ساكنيها تعبت بيوتها طويلآ،
وبصمتٍ كصلاة تعلّمت ألّا تشكو قريبآ …!

منذ عقود، أبنية تقف على حافة الاحتمال..
شقوق صغيرة ترسمها جدران،، تُرمَّم بالاعتياد..
تشققات تُسمّى تفاصيل خاوت أصواتآ في الليل البهيم..
وهمس يُسمع : سيمرّ الأمر. عَلّ في الصبح نجاة…!

لكن الركام سَبَق، نَحت النَجيع ظلاله على فوضى الحجر.. هو ترتيب جديد مُكرر للذاكرة…
غرفة فوق اخرى، سرير فوق آخر، وحكاية تروي كل الحكايات..!
أشياء ومتاع من حياة، صارت على التراب وزنات وعلى القلب ثقلًا…!

طرابلس.. ثكلى.. لئن صرخت أوجعت..
قد تخفض رأسها قليلًا، تشدّ معطفها الممزق لكنها لا تتعرى.. وتُكمل..

اليوم، أمام هذا السقوط توقّفت للحظة،
لحظة قصيرة، لكنها كافية ليظهر كل ما كان مخفيًا تحت جِلدِ الصبر..!
وتحت الأنقاض، أنين يصرخ ألم الطفولة..

أيدٍ عارية تحفر الوقت، أسماء تُنادى كأنها صلوات، وصمتٌ كثيف يأبى التحول جواب..
هناك، فقد الزمن معناه، أضحى البيت اسمًا،
والاسم رجاءً.. والرجاء وجعًا معلّقًا…

البيوت صارت ذاكرة لم تكتمل، وأمانًا لم يُعطَ فرصته،، وحياة انقطعت في منتصف جملة..
لا أحد يتّهم هنا.. فالركام لا يحتاج اتهام..
هو شاهد على مؤقّت طال أكثر مما يجب..
وعلى صبرٍ استُهلك أكثر مما يحتمل..
وعلى سلامة جرى التعامل معها فكرة، لا حق…

حين يطلع الفجر على المدينة، لا يبدّد حُزنآ بل يزيده وضوحًا..
يكشف شوارعآ تمشي ناسها على ثقل الفراغ..
فراغ خلّفه بيتٌ ظنت أعمدته أن الوقوف كافٍ..

ما بقي ليس أكوام الحجر، بل سؤال لم يجد سقفًا يحميه:
كم بيتًا آخر يقف الآن على حافة التعب..؟
وكم صمتًا نحتاج قبل أن نفهم أن البيوت، مثل البشر،، لا تموت فجأة، بل تنهار حين لا يعود أحد يسمع أنينها..؟

في مدينة التحمُل والاحتمال الطويل،
ربما آن الأوان أن نُنصت للحزن،
لا لنبكيه، بل لنمنع تكراره..!

————-

عميد متقاعد، كاتب