طرابلس .. أول معنى للانتماء…
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: د. ميشلين بيطار*
نحبّ مدينتنا ،، تماماً كما نحبّ والدينا حين يشيخان.. ليس حبًّا للمكان وحده، ولا للإسم الجميل، ولا للذكريات المريحة..
الحبّ هنا امتحان، وعلاقة أخلاقية مع ما لم نختره، مع ما أصبح جزءًا منّا.. مع الأصل والجذر والهوية التي نحملها بلا اختيار…
بعض الناس يكتفي بالزيارة، بالحنين العابر،
بالمدينة كما كانت في الذاكرة.. كما يحبّ من يحبّ والديه عن بُعد: احترام بلا تضحية، قرب بلا مسؤولية..
هؤلاء لا يخطئون بالنيّة، لكنهم لا يعرفون معنى البرّ، ولا قيمة الصمود حين يثقل الحبّ..
ومنهم من يتوقّف عند أول صعوبة، ينكسر حين يطالب الواقع..! يغادر حين يصبح البقاء واجبًا، ويظنّ أنّ الانسحاب حرّية..
يجهلون أنّ الحبّ ليس دائمًا مريحًا، وأن الوفاء ليس فعلًا سهلاً… هو اختبارٌ مستمرّ للوعي، للقوة، ولقدرتنا على الاحتمال..
وبعضهم يحب الصورة فقط. المدينة القديمة في الذاكرة. كما نحبّ والدينا بلا أن نرى ضعفهم، كأن الزمن لم يمر…
وحين تتغيّر المدينة، يشعر بالخيانة والخذلان،
مع أنّ الحقيقة أنّ الثبات وَهْم، والزمن لا يرحم أحدًا…
وأقساهم من يخاصم المدينة، يلومها على كل فشل،، يتذمّر ويُنكّر الجذور،، ويُسقط على المكان كل ما أخفق فيه،، وينسى أنّها أعطته الاسم واللغة،، وأوّل معنى للانتماء…
هؤلاء لا يكرهون المدينة، بل يتنصّلون من مسؤوليتهم تجاهها…
برّ المدينة ليس دفاعًا عنها، ولا خصومة معها،
ولا تمجيدًا بلا معنى… هو الاعتراف بالصلة حين تصبح ثقيلة، والقدرة على البقاء حين يفقد الحبّ خفّته..
حين يتحوّل القرب من امتياز إلى واجب،
حين يصبح الوفاء فعلًا لا شعورًا.
حين يكون البقاء عبئًا وأحيانًا ألمًا.
فالمدينة، كالأهل، لا تطلب الإعجاب،
ولا تمدحها الكلمات، ولا تكفيها الذكرى..
هي تختبرنا حين يثقل الحبّ، حين لا يعود سهلاً، حين تصبح مسؤولية، وحين يُسقط كل واحد منا قدرته على الهروب من الحقيقة:
أننا مرتبطون بها، وأن مسؤوليتنا جزء من هويتنا، تماماً كما نحن مرتبطون بوالدينا:
لا نختارهم ولا نهجرهم …!
——————————
*طبيبة وكاتبة لبنانية.