ديناميات المواجهة جنوبآ؛ بين سقف القدرة ووهم الحسم…؟

 

خاص – “الدنيا نيوز” 

بقلم : العميد مُنذِر الأيوبي*

لم تكن زيارة بنيامين نتنياهو إلى جنوب لبنان مؤخراً حدثًا ميدانيًا فقط، بل تعبيرآ مباشرآ عن مرحلة جديدة لم تعد فيها قواعد الاشتباك تُحترم بقدر ما تُختبر. ما كان يُعتبر سابقًا خطًا أحمر، بات اليوم نقطة تفاوض بالنار. لا اتفاق ضمني، ولا سقف ثابت، ما يشهده الميدان هو تفكك منظّم لتلك القواعد، وإعادة تركيبها وفق القوة الراجحة.

في هذا السياق، لا تكتفي إسرائيل بإدارة الجبهة، بل تعمل على إعادة تعريفها تدريجيًا عبر توسيع بنك الأهداف، تعميق الضربات، ورفع مستوى الجرأة العملياتية، كلها مؤشرات لمحاولة كسر القيود السابقة…
غير أن هذا السلوك، على حدّته، لا يعكس ثقة مطلقة بقدر ما يكشف قلقًا من فقدان زمام المبادرة، ذلك في ظل بيئة إقليمية مفتوحة على احتمالات متباينة، وسقف دولي لا يزال يشكّل عامل ضبط غير مباشر.
وبينما يرفع الخطاب الإسرائيلي سقف الأهداف إلى حدّ “الكسر الكامل”، تكشف الوقائع الميدانية أن ما يُدار فعليًا هو مسار إضعاف تدريجي، محكوم بسقوف القدرة لا بشعارات الحسم.

أما التلويح بالوصول إلى ضفة الليطاني، فلا داعٍ لتضخيمه او التقليل منه. هو ليس خطة جاهزة، لكنه أيضًا ليس مجرد خطاب. أداة هو لرفع السقوف، تُستخدم لفرض وقائع نفسية قبل أن تكون ميدانية. لكن ترجمتها إلى عملية فعلية تعني الدخول في حرب برية مفتوحة، بنتائج لا يمكن السيطرة عليها بالكامل.

في المقابل، لا يبدو حزب الله في موقع الانكفاء، لكنه أيضًا ليس في موقع الفرض. سلوكه يكشف معادلة مزدوجة: قدرة قائمة، لكن استخدام مقيّد. بمعنى الردود موجودة، لكنها محسوبة بحدود . ما يطرح تساؤلات هامة: هل هو ضبط محسوب لحجم النيران…؟ أم خشية من كلفة أقسى على الداخل لا يمكن تحمّلها…؟

في هذا المشهد، لا تبدو الدولة اللبنانية طرفًا فاعلًا في إدارة مسار الاشتباك بقدر ما تظهر مُكبلة ضمن توازنات تتجاوز قدرتها المباشرة. فهي تفتقر إلى أدوات فرض الإيقاع الميداني سيما بعد تآكل القرار الاممي 1701 وانكفاء لجنة الميكانيزم. لكنها في الوقت نفسه تحاول العمل ضمن هامش دبلوماسي مُتاح قد يُراهن على نجاحه، فيما يبقى دورها محصورًا في احتواء النتائج أكثر منه في صناعة مسارها.

في الداخل الإسرائيلي، التصعيد ضرورة سياسية بقدر ما هو خيار أمني. الجبهة الشمالية تحولت ساحة امتحان مباشر لقيادة نتنياهو، وأي تراجع فيها يُقرأ كضعف داخلي، يتعذر تعويضه في السياسة أو التفاوض.
وفي الداخل اللبناني، الوضع أكثر تعقيدًا، الانقسام السياسي يتعمق، مع هشاشة بنيوية قابلة للاشتعال؛ بالتوازي غياب قدرة دولتية فعلية على التأثير في مسار التصعيد..

في المحصلة، تكتسب زيارة نتنياهو معناها الفعلي المتعدد الأبعاد كما أسلفنا؛ إذ تُقرأ في سياق استباق نتائج حسمٍ لم يتحقق بعد، وربما لا يملك ترف تحقيقه بسهولة. في مقابل مقاومة تعتمد منطق الاستنزاف المفتوح.
هنا، لا يُحسم الصراع ولا يُترك لينفلت، بل يُدار ضمن هامشٍ دقيق من الضبط، على إيقاع تداخل الميدان مع مسارات التفاوض وما قد تفضي إليه من توازنات جديدة..!

—————————————

*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية