حين يمرّ الرجاء فوق أرضٍ متعبة..!
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الايوبي *
هي ليست حدثًا بروتوكوليًا، ولا محطة في روزنامة الفاتيكان، بل لحظة إلتقاء بلدٍ مُتعب برمزٍ اعتاد العالم أن يرى فيه مرساة رجاء لَمَّا تضيق البحار وتستحيل لُجّة.. بلاد ما كَفَت عنها العواصف يومآ ولا هَمَدَت، يدخلها ما يشبه الطمأنينة حين يضع قداسته قُدسيَتَهُ بين جرحين ماضٍ لم يلتئم وحاضرٍ لا يتوقف عن نزفٍ..
هو الآتي دون حاجة لكثير شُروح ؛ يكفيه رمادية الوجوه وصدى صمت اللبنانيين، ليتأكد أن الحياة هنا تعيش تحت جلد المعجزة، وفي الوقت نفسه تحت ظلّ الانكسار..!
هو الآتي نسمة تبرد جبين بلد محموم لاهث منذ سنوات على وقع سؤال: كيف يمكن للإنسان أن يستمرّ دون أن يفقد روحه..؟
ثم ان حضوره ليس عبورآ لشخصٍ مُهاب، بل لروح تريد تلمس وجه الله في شعبٍ يحيا العتمة على إيمانٍ “لا تخافوا أنا معكم”.
حيث المسلم والمسيحي يلتقيان عند نقطة لا تُرى.. حاجتهما إلى معنى يحميهما من عَدَم. ليس من لبناني إلا ويحمل في أعماقه صلاةً ما، وإن جهل كلماتها.!
كما انها ليست دعوة إكتفاء برجاء، بل تحويله فعلآ واقعآ، يتقاطع على وَقعِ جملة بسيطة من إنجيل متى: «طوبى لِصانِعي السَّلامِ».!
لبنان، في هذا الزمن،شبه راهب عجوز يتكئ على عصاه. يعرف أنه هشّ، لكنه مُصِرٌ ان يمشي، عارِفآ مؤمنآ أن الهشاشة ليست ضعفاً، بل مدخلاً للنعمة.. وما الزيارة إلا تذكير أن حِفظُ الشعوب ليس بصلابة الحجر، بل برهافة الروح وحكمة العقل.!.
وما الزيارة إلا مرآة تقول إن الله، “الساكن في الأعالي”، يميل ليسكن قلب متألم.. أَ لَيسَ الألم بوّابة الحقيقة..؟
ثم ان المعادلات الكبرى لن يغيرها حضور الضوء، ولن يحجب الظلمة ومضة سحرية.. هذا النوع من حضور يشبه «البِذار الجيدة» التي تحدّث عنها الإنجيل.. بذور صغيرة تُلقى في أرضٍ مُتعبة، وقد تُثمر لاحقًا حين تتبدّل الأمور والظروف..!
ربما لهذا ينتظر اللبنانيون يوم الأحد.. ينتظرون ما هو أبعد من إحتفال بصاحب الحبرية. ينتظرون لملمة مشاعر فُقِدت.. ينتظرون حُلُمآ يتحقق، ان لا أحد متروك في هذا البلد وحده، وأنّ هناك دائمًا يدًا إلهية تمسح جباههم لتقول: «تَعالَوا إِليَّ يا جَميعَ المُتعَبينَ والمُرهَقينَ، وأَنا أُريحُكم»..!
إنها زيارة قصيرة، لكن صداها سيكون طويلآ، فالشعوب لا تعيش فقط على فُتاتِ ساسة، بل على المعنى الأسمى.. في رحيله عائداً إلى روما، لن يبقى في الذاكرة آثار موكب ولا منصات ويافطات، بل تلك اللمعة الطفيفة من حضور مقدّس بإسم المُخَلِص، لمعة تقول إن السلام يولد من الرُكام متى صيغ بالرجاء، وبه يستطيع أن يعود لبنان إلى نفسه، لا إلى ما كانه، بل إلى ما يمكن أن يكونه…!
*عميد متقاعد. كاتب
تابع آخر الأخبار والتنبيهات أولًا بأول.