جمهورية العيش في الزمن المغلق

 

خاص –  “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الأيوبي *

عندما لا يبدأ النهار بوعد، ولا ينتهي بخاتمة، وما بينهما رمادية مساحة من عيشٍ ضروري، وإن في خيمة الألم، حيث تستمر الحياة لا لأنها واقعٌ مفروض فحسب، بل لأنها لم تجد بديلًا، هنا تُستدعى فكرة الوطن؛ ويُسأل عن دوام الحال والمحال.
في الملموس المادي، لم نعد أمام أزمة بالمعنى السياسي للكلمة، فالأزمة تفترض مسارًا، بينما نحن في حالة تعليقٍ طويل، بلا ذروة ولا انفراج.

كل شيء يعمل بوظيفة ناقصة. الكهرباء لا تأتي لتُنير، بل لتؤكّد الغياب. والدخل لا يُنتج طمأنينة، بل يُؤجّل قلقًا. والوقت يمضي بلا وزن، كأنه خارج الحساب. في البيوت، يُترك الضوء مضاءً لا خوفًا من عتمة، بل من إحساسٍ بأن الظلام عميم أكثر من اللازم.
وفي الجيوب، تُحمَل العملة بلا يقين، كأن القيمة نفسها دخلت في دائرة الشك. وفي النفوس، تعبٌ لا يُعلَن على اعتياد، لأنه فقد لغة الاعتراض.

الأخطر أن السؤال نفسه تبدّل. لم يعد: متى تنتهي الأزمة..؟ بل: كيف نُدير حياتنا داخلها من دون أن نفقد الحدّ الأدنى من المعنى..؟ ما يعيشه أهل البلد ليس انهيارًا فجائيًا، بل تآكلًا صامتًا بالتراكم لفكرة الغد، وللثقة بأن للأفعال أثرًا، وأن للصبر نهاية..

في السياسة، الدولة نفسها عالقة بين قرارٍ لا يُتَّخذ أو يُتَّخذ مبتورًا، وسيادة لا تُستكمَل. مؤسسات قائمة بالاسم تسعى إلى استعادة دورها، وسلطة تُمارَس بالقدر الموجود، أي الحدّ الأدنى، فيما الاستحقاقات الكبرى مُعلَّقة بانتظار تسوية مؤجَّلة أو قد لا تأتي.

غير أنّ أخطر ما في هذا التعليق الطويل ليس كلفته المعيشية وحدها، بل غموض مركز القرار الذي يُبقيه قائمًا. فالزمن لا يتوقّف صدفة، بل حين تتقاطع مصالح داخلية عاجزة مع رهانات خارجية مؤجِّلة، وحين يتحوّل الانتظار إلى صيغة حكم غير مُعلَنة.

هنا لا يعود السؤال سياسيًا بحتًا، بل أخلاقيًا ايضآ: من المسؤول عن إبقاء البلاد في هذه المنطقة الرمادية التي لا تسمح بالانهيار الكامل ولا تتيح الخلاص..؟ أهو الخارج الذي يدير الوقت كورقة ضغط، أم الداخل الذي تكيّف مع التعليق حتى بات جزءًا من آليته..؟ أم ذاك “التواطؤ الصامت” Silent Complicity بين الطرفين، حيث تُدار الحياة بالحدّ الأدنى فيما تُرحَّل القرارات الكبرى إلى أجل غير مُسمّى..؟ إن أخطر أشكال الفقدان ليس غياب الحل، بل اعتياد غيابه، حين يصبح الزمن نمط حكم في أسر التعليق، لا ظرفًا عابرًا..

أما الجنوب، ففي حال اختبارٍ مستمر، مُعلَّق على خشبة رجاء قيامة. هناك، يعيش الناس على توقيت أمني مفتوح، لاعتداءات إسرائيلية لا ترقى إلى حربٍ شاملة، لكنها تتجاوز هدنة ثابتة. ضربات محسوبة تُبقي الأرض على الطَوّى، لَما ذَوِيّ التبغ وسُلب الزيتون. والأشد فداحةً ليس عدد الخروقات، بل معناها: بين السيادة المُعلَنة وواقعٍ لا مناص منه، شكلٌ آخر من أشكال الاستنزاف. اللا حرب تُنهك بقدر الحرب، وربما أكثر، لأنها تُبقي الناس مشروع شهادة أسرى الترقّب. ثم إن تمجيد الصمود، إن انفصل عن أفق، يتحوّل من فضيلة إلى استنزاف. فالتحمّل بلا أمل ليس بطولة، بل تكيّف قاسٍ مع واقع غير عقلاني. وهذه لحظة يأسٍ خفيّ، أن يتعايش الإنسان مع ما يعرف أنه غير مقبول وغير عادل..

على هذا الواقع، لبنان لا ينهار عن ضعف، بل يقاوم المأزق الدائري: دولة تحاول أن تُستعاد، وسقوط لا يكتمل. وعود تُستهلك، وخيبات لا يُعلَن عنها. حياة تُدار بالترقيع، وكرامة تُؤجَّل باسم الضرورة. ومع ذلك، لا يزال شيء ما يتحرّك تحت هذا الثقل. ليس مشروع خلاص، ولا أملًا صاخبًا، بل حاجة عميقة لأن يشعر الإنسان أن حياته ليست مجرّد انتظار طويل.

هذا البلد لا يحتاج اليوم خطابًا جديدًا، ولا استعارات بطولية. يحتاج إلى استعادة حقّ بسيط لكنه ثمين: “حقّ التخيّل” The Right to Imagine . أن يعود المستقبل ممكنًا بوصفه فكرة تُزهر براعمها، وعدًا مفهومًا لا شعارًا رائجًا. فعندما يُصادَر الخيال — وهو أحد أشكال الوعي — يسقط حقّ الاختيار، ويقع الانهيار الحقيقي.

أخيرًا، هذه الجمهورية لم تمت، لكنها مُرهَقة تَعِبة. وما بين الإرهاق والموت تكون مسافة وعي يحاول العهد اختصارها. وإن لم تُختصر، سيبقى لبنان حيًّا في الجغرافيا، ومُعلّقًا في المعنى..!

عميد متقاعد – كاتب