تفكيك نقدي لتقرير شمال لبنان وفرضية “الانفاذ الحركي” ..
خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم العميد منذر الايوبي*
بتاريخ 8 الجاري صدر تقرير تحت عنوان: “المشهد الأمني في شمال لبنان: تحول العقيدة العسكرية الإسرائيلية وبداية الإنفاذ الحركي (Kinetic Enforcement) لعام 2026”، أعدّه باحث مهتم بالشؤون الأمنية والاستراتيجية من خارج الأطر المؤسسية التقليدية. وبعد الاطلاع على مضمونه، يمكن مقاربته قراءةً وتحليلًا في إطار حرص على توعية، مع فصل المؤشرات الواقعية عن الاستنتاجات المتداولة، ما يتيح تقديم فهم أكثر توازنًا بعيدًا عن تهويل أو تبسيط.
ينطلق التقرير من فرضية مفادها أن إسرائيل دخلت مرحلة جديدة من العمل العسكري تقوم على ما يسميه “الإنفاذ الحركي” ما يعني
الانتقال من سياسة الاحتواء إلى الاستهداف المباشر والمكثف للبنية اللوجستية، بما يشمل – وفق طرحه – تنفيذ ضربات واسعة في شمال لبنان (طرابلس، الكورة، عكار) تطال عشرات الأهداف خلال فترة قصيرة، وما يستتبع ذلك من سقوط مفهوم “المناطق الآمنة” وتراجع الإنذار المسبق، واعتماد أسلوب “قطع الرأس” لضرب الشبكات بدل المواجهة التقليدية؛ ليخلص إلى أن الشمال بات جزءًا من ساحة العمليات، وأن أي ارتباط لوجستي أو سياسي بالجهات المستهدفة قد يعرّض الأفراد والمواقع لضربات مباشرة.
من حيث الشكل، يبدو النص محكم البناء، مدعومًا بإشارات إلى مراكز بحثية معروفة،
Alma Center- Crisis Group- INSS
ما يمنحه انطباعًا أوليًا بالرصانة. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن هذه الإحالات لا تؤسس لوقائع ميدانية بقدر ما تُستخدم كمرجعية عامة يجري البناء عليها.
ثم ان الإشكالية المركزية في التقرير لا تكمن في طرح الفرضيات، بل في طريقة الانتقال من المؤشرات إلى النتائج. إذ بُنيّ استنتاج واسع حول استهداف ممنهج للشمال اللبناني، متضمنآ عمليات مكثفة خلال فترة زمنية محدودة، دون أن يقابل ذلك أثر ميداني تحذيري أو إعلامي تصعيدي يوازي حجم هذا الادعاء. ما يجعل هذا الطرح أقرب إلى سيناريو تحليلي منه إلى توصيف واقع.
على المستوى المفاهيمي، يوظف النص مجموعة من المصطلحات ذات الطابع التقني، في محاولة لتأطير ما يجري ضمن “عقيدة” جديدة. غير أن ما يُطرح تحت مسمى “الإنفاذ الحركي” لا يظهر كإطار عملياتي معتمد بقدر ما هو تركيب تحليلي يجمع بين اتجاهات قائمة ليعيد تقديمها كتحول مكتمل. هنا يبرز خلل منهجي معروف في الأدبيات الاستراتيجية، يتمثل في تحويل الأدوات التكتيكية إلى قواعد ثابتة، والقفز فوق الفوارق بين الاحتمال والتطبيق.
في لغة التقرير وظيفة تجاوزت التحليل إلى التأثير. اذ ان الإفراط في استخدام العبارات الحاسمة من نوع “سقوط المناطق الآمنة” أو “بدء التدمير المنهجي” لا يعكس فقط قراءة للواقع، بل يساهم في تكريس انطباع بأن قواعد الاشتباك قد انهارت بالكامل. وهذا النوع من الصياغة، وإن كان جاذبًا، يفتقر إلى التدرج والتحفظ اللذين يميزان التحليل المهني، ويضع المتلقي أمام صورة مكتملة لمشهد لم تتضح حدوده بعد.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض الاتجاهات التي لُمِحَ اليها تستند إلى منطق واقعي. فإمكانية توسيع نطاق الاستهداف أو الضغط على العقد اللوجستية خيارات قائمة ضمن أي تصعيد واسع. إلا أن الفرق الجوهري يبقى بين الإقرار بهذه الإمكانية، وبين تقديمها سياسة ثابتة دخلت حيّز التنفيذ الشامل.
أما لجهة مصدر التقرير، فيُفهم من طبيعته أنه جهد فردي صادر عن مهتم بالشأن الأمني، خارج البنية البحثية المؤسسية. وهذا لا ينتقص من حق الاجتهاد، بل يضع النص في إطاره الطبيعي كقراءة تحليلية قد تكون مدفوعة برغبة في التحذير، أو بمحاولة لملء فراغ تفسيري في لحظة ضبابية، وربما أيضًا بدافع الحضور في نقاش عام بات يزداد اتساعًا. غير أن هذا الإطار بحد ذاته يفرض التعامل مع المخرجات بحذر منهجي، يميز بين ما هو معطى وما هو استنتاج .
من زاوية أخرى، يُلحَظ في بنية النص ميل إلى “تصنيع المفاهيم”، حيث تُركّب مصطلحات ذات طابع تقني، ما يمنحها مظهرًا تخصصيًا. وهو نمط بات شائعًا في بيئة معرفية ذكية تتقاطع فيها أدوات الكتابة الحديثة مع الميل لإنتاج خطاب استراتيجي متماسك…
في المحصلة، لا يمكن وضع التقرير في خانة التهويل الخالص، كما لا يصح التعامل معه مرجعآ موثوقآ. هو أقرب إلى قراءة استباقية عالية السقف، تستند إلى مؤشرات جزئية وتعيد تركيبها ضمن سردية متماسكة لكنها غير مكتملة الأدلة. وبين التحليل المشروع والمبالغة غير المقصودة، يبقى المعيار هو التحقق، لا الانطباع.
وفي بيئة لبنانية حساسة، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الحسابات الإقليمية، يصبح ضبط الخطاب التحليلي ضرورة بحد ذاته… لأن الفارق بين قراءة الواقع وإعادة تشكيله ذهنيًا، قد يكون أحيانًا أضيق مما نعتقد.
———————————
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية