الانظار الى بري وخطة الجيش ..ماذا ينتظر لبنان؟

 

بقلم : العميد منذر الايوبي*

من الواضح ان البلد أمام خيارين احلاهما مُر، إمّا مواجهة أزمة داخلية قد تتخذ طابعًا سياسيًا وشعبيًا وربما أمنيًا، أو البقاء تحت وطأة الضغوط الدولية المتزايدة والمترافقة مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية. تأجيل جلسة الحكومة من الثاني إلى الخامس من أيلول ليس مجرد خطوة إجرائية، بل يعكس حساسية التوازنات المرتبطة بالخطة التي يعدّها الجيش، والتي يمكن أن تحدد ملامح الاستقرار الداخلي على المدى القصير والمتوسط. ورغم تأكيد قائد الجيش العماد رودولف هيكل على استمرار المؤسسة العسكرية في أداء مهامها مهما بلغت التحديات، يبقى الثابت رفض الانزلاق إلى مواجهة داخلية مباشرة.

ثم أن أي خطوة لتكليف الجيش بسحب سلاح حزب الله مؤداه مسار انقسام عمودي جديد، يؤثر ليس فقط على أداء الحكومة، بل على العلاقات بين المؤسسات والمجتمع المدني. فالحزب يعتبر المسألة ليست مجرد خلاف سياسي، بل ورقة ضغط إقليمية ودولية، وهو لذلك يتعامل معها بحذر شديد، وقد يلجأ إلى خطوات تصعيدية تشمل تحركات شعبية أو حتى العصيان المدني مَنعُ فرضِ واقعٍ يعتبره تهديدًا لدوره.

في هذا السياق، يحاول بعض الوسطاء الاستفادة من ثغرة في الورقة الأميركية، التي تشترط موافقة إسرائيل وسوريا على بنودها، وهو ما لم يتحقق. هذا يمنح لبنان هامشًا للتملص من الشروط الزمنية الضاغطة، ويتيح للحكومة معالجة الملف وفق الأولويات الوطنية، مع الإدراك أن تجربة جنوب الليطاني أثبتت أن تنفيذ مثل هذه القرارات يستغرق أشهرًا طويلة، ما يعني أن أي تطبيق أوسع يحتاج إلى وقت وتخطيط دقيق لتجنّب آثار سلبية على استقرار الدولة.

الطرح الذي قدمه نائب رئيس الحكومة طارق متري يعكس هذا المنطق، إذ دعا إلى معالجة الملف وفق معايير لبنانية خالصة تستند إلى البيان الوزاري والدستور، بدلًا من الانصياع لإملاءات خارجية. ويظل موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري اليوم وما ستتضمنه خطة الجيش الجمعة القادم عنصرين أساسيين لتحديد المسار المقبل تتوازى مع مشاورات مكثفة بين القوى كافة، سيما حركة أمل وحزب الله. فالتأخر أو التقدم في اتخاذ أي قرار سيؤثر بشكل مباشر على التماسك الوزاري والقدرة على إدارة الأزمة داخليًا دون توسع الهوة.

من جهة اخرى، وإزاء تمسك حزب الله بموقفه الرافض لأي بحث في مسألة السلاح خارج إطار استراتيجية دفاعية شاملة تُطرح بعد وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحابها من الأراضي اللبنانية؛ تصبح جلسة مجلس الوزراء لمناقشة بندآ وحيدآ في جدول أعمالها (حصرية السلاح وخطة الجيش) محطة اختبار على صعيد مشاركة وزراء الطائفة الشيعية أو انسحابهم، ما سيعكس حتمآ مستوى التوافق أو التباين داخل السلطة.. ، وما سيحدد تلقائيآ مسار التعامل مع الملفات الأخرى الحساسة، مثل الأمن الداخلي والقدرة على اتخاذ قرارات اقتصادية وسياسية لاحقة.

الأهم أيضًا تعامل الحكومة وموقفها حيال خطة الجيش اللبناني، فإذا اكتفت بالاطلاع عليها دون التعاطي الزمني في التنفيذ، ما يسمح بالاستفادة من الوقت لإدارة الوضع داخليًا. أما إذا قررت تطبيقها في ظل رفض حزب الله وهو امر مستبعد إلى حد ما، مع تحديد الفترة المتبقية من العام الحالي لإنجازها، فإن لبنان سيكون أمام مرحلة جديدة محفوفة بالتوتر وعدم الاستقرار، حيث لا الحزب سيقبل بفرض القرار عليه، ولا السلطة السياسية قادرة على المضي فيه دون كلفة داخلية عالية. هنا يعلو الرهان على قيادة الجيش في تحديدها فكرة المناورة العقلانية وفق امر العمليات المرن المعطى للقوى المعنية هدف إمتصاص اي توتر او مواجهة (شارع مقابل شارع) مع اصرار عالي السقف على حفظ الامن والنظام.

تزامنآ؛ تتجه الأنظار إلى المجتمع الدولي وكيفية تعاطيه مع هذا الملف. فبالرغم من الانحياز الأميركي الواضح لإسرائيل، إلا أن ما جرى مؤخرًا في مجلس الأمن – حيث أُقِرّ التمديد لقوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان بالإجماع – يعكس وجود مقاربة أكثر توازنًا. ما يمكن استثمارها أيضآ في على مسار تفعيل التفاهم بين الديبلوماسيتين الاميركية والفرنسية لتخفيف الإملاءات والضغوط وفي إطار الشرعية الدولية، سعيآ لتوطيد الالتزام بخطاب القسم وحصرية السلاح كقرار ذاتي داخلي لا بالورقة الاميركية المكتوبة بالحبر الإسرائيلي.

*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية