المفاوضات المباشرة؛ المَغزى والمُرتجى…!
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الايوبي*
بشكل عام. عندما تصل دولة ما إلى حد طرح مفاوضات مباشرة لوقف حرب تُشّن عليها، فهذا يعني عادة وصول بنيتها إلى لحظة الضغط الأقصى، وأن كلفة الاستمرار في القتال أصبحت أعلى من كلفة التفاوض.
من زاوية المنطق الاستراتيجي. ان طرح رئيس الجمهورية المفاوضات المباشرة مع إسرائيل ليس أمراً غير مسبوق في تاريخ الصراع. اذ ان الحرب في النهاية كما التفاوض أداة سياسية؛ ليكون الفرق بين كلاهما الوسيلة فقط “النار أو الطاولة”. لذا ومن حيث المبدأ البَحت، أي مبادرة توقف نزيف الحرب تُعد خياراً عقلانياً إذا كانت تحقق ثلاثة شروط أساسية: وقف النار، حماية السيادة، وعدم فرض ترتيبات دائمة مختلة.
لكن هنا تبدأ الطبقات الأكثر تعقيداً:
١- في البعد الداخلي؛ الدولة اللبنانية ليست دولة مركزية تقليدية في قرار الحرب والسلم. هناك فاعلون غير حكوميين سواء سياسيين وزعماء احزاب وطوائف كما حزب الله الذي يمتلك قوة عسكرية مؤثرة. من هذا المنطلق فإن أي عرض تفاوضي من الحكومة يطرح سؤالاً فورياً: هل تمتلك الدولة القدرة الفعلية على تنفيذ ما ستلتزم به…؟
في علم الاستراتيجية يسمّى هذا مشكلة الوكيل والقرار: بمعنى من يملك حق القرار الحقيقي…؟ الدولة أم الفاعلون داخلها…؟
إذا لم يكن الجواب واضحاً، يصبح التفاوض نفسه أداة ضغط ذاتية وليس حلاً نهائياً.
٢- في البعد الإسرائيلي؛ إسرائيل تاريخياً تنظر إلى المفاوضات مع خصومها من خلال ميزان الردع. ففي حال تحققت أن الضغط العسكري يضمن النتائج، فلن ترتد عنه، ليس هدف تحسين شروط التفاوض بل لفرض ما تريده. أما إذا رأت أن الحرب وصلت إلى سقفها، عندها تصبح الطاولة أكثر جاذبية.
بعبارة أخرى؛ التفاوض لا يبدأ عادة عندما يريده طرف واحد، بل عندما يقتنع الطرفان أن الاستمرار في الحرب لم يعد مفيداً.
٣- في البعد الدولي؛ ان أي مفاوضات من هذا النوع لن تكون ثنائية خالصة. لطالما وقف خلف الطاولة اللاعبون الكبار (الولايات المتحدة، روسيا، أوروبا، وربما أطراف إقليمية اخرى مؤثرة). بهذا يكون العرض اللبناني في حقيقته رسالة سياسية للوسطاء أكثر منه اقتراحاً مباشراً لتل أبيب.
هنا تلعب واشنطن دور الممر الإجباري لأي تسوية. حدث ذلك في ترسيم الحدود البحرية عام 2022 عبر الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين. لذا يصعب تصور طرح تفاوضي كبير من بيروت، دون أن تكون واشنطن على علم به خلافآ لما يعلن على وسائل الإعلام… كما ليس بالضرورة وجود ضوءاً أخضر واضحاً، لكن على الأقل عدم اعتراض أو ما يسمى في الدبلوماسية “القبول الضمني”.
ثم ان عدة مؤشرات تشي بوجود رضا ضمني، في مقدمتها المصلحة الاميركية منع توسع الحرب او استمرارها لأجل بعيد… اذ كثير من التفاهمات في الشرق الأوسط تبدأ بصيغة “لا تعليق”. لا إعلان رسمي، ولا مباركة علنية، بل ترك الباب مفتوحاً للمناورة السياسية لكل طرف.
لكن من الضروري الانتباه إلى نقطة عقلانية؛ فهذا الرضا الضمني إن صح، لا يعني بالضرورة وجود اتفاق جاهز أو صفقة مكتملة. أحياناً يكون الأمر مجرد اختبار للأرض السياسية “طرح فكرة، مراقبة ردود الفعل، ثم البناء عليها لاحقاً”.
في السياق، تبرز مخاطرة سياسية واضحة. في الداخل اللبناني قد يُفسَّر الأمر على أنه تنازل أو تطبيع قسري تحت النار، بينما في الخارج قد يُقرأ كإقرار بضعف القدرة العسكرية. السياسة في الشرق الأوسط مليئة بهذه المفارقة؛ فأي خطوة هادفة لوقف الحرب قد تُستخدم احيانآ لاتهام صاحبها بالهزيمة.
من جهة اخرى؛ قد يمكن اعتبار الهدف الحقيقي من طرح المفاوضات ليس التفاوض نفسه، بل إعادة تعريف موقع لبنان في الحرب. أي تحويله من ساحة قتال مفتوحة إلى طرف سياسي يطالب بوقف النار ضمن إطار دولي.
وهذه حركة تشبه في الشطرنج نقل الملك خطوة صغيرة للخلف كي تغيّر كامل هندسة الرقعة.
في الخلاصة؛ المفاوضات ليست ضعفاً بالضرورة، لكنها أيضاً ليست حلاً سحرياً. قيمتها الحقيقية تعتمد على ميزان القوى، وعلى قدرة لبنان الدولة على ضبط الأرض بمصداقية مقبولة…
ختامآ؛ التاريخ مليء بالمفارقات. أكبر الحروب في القرن العشرين انتهت حول طاولات خشبية عادية، لا في ساحات القتال. قد يمكن اسقاط نموذج الحرب بين الكوريتين على الواقع اللبناني، اذ توقفت باتفاق هدنة ما زال قائماً منذ 1953، بينما لم تُوقّع معاهدة سلام حتى اليوم.
والسؤال الحقيقي ليس إن كانت المفاوضات ستحدث، بل متى وتحت أي ميزان قوى ستكون…؟ التاريخ القريب يعطينا نمطاً متكرراً، لطالما كانت المبادرات في الشرق الأوسط تبدأ همساً، ثم تتحول إلى تسريبات، ثم إلى مفاوضات ..
*عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الامنية والاستراتيجية