السيناريو الفنزويلي.. حين يُهزم الردع قبل أن تبدأ الحرب..

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم العميد منذر الأيوبي*

 

لم تكن الإحترافية في دقّة التفاصيل، بل في ما كشفته من تحوّل عميق لمنطق القوة، وكيف تُفرض الهيمنة حين يصبح الاشتباك التقليدي عبئًا لا ضرورة. في هذا السيناريو العملياتي، لم تكن كاراكاس هدفًا بحدّ ذاتها، بل مسرحًا افتراضيًا لاختبار نموذج جديد من الصراع: دولة تُشلّ خلال ساعات، دون معركة واسعة أو احتلال.

 

هذا النموذج لا ينتمي إلى الحرب الكلاسيكية، بل إلى نمط التفوق الاستخباراتي. فالمعلومة تسبق النار، والاختراق يسبق الضربة. وحين تُعرف أدق التفاصيل في دوائر القرار، ومسارات الحركة، وآليات الحماية، يصبح استخدام القوة مسألة توقيت لا ضرورة لتفادي مخاطر او حساب خسائر. هنا، لا يكون التفوق في كثافة النيران وحجم التسليح، بل في اختصار المجهول.

 

في هذا السياق، يمكن توصيف خطة التنفيذ بوصفها ممارسة لـ«السيطرة الإدراكية» (Cognitive Control). إذ إن سلاح الدفاع الجوي لم يُهزم ناريًا، بل وضِع أمام خيار مستحيل: أن يعمل فينكشف ويُدمر، أو يصمت فيبقى بلا وظيفة. هنا لا يفشل السلاح وحده، بل تفشل الفرضية التي قام عليها، فيتحوّل من أداة حماية إلى أداة تعطيل. لم تعد التقنية في ما يُدمَّر، بل في ما يُمنع عن الرؤية.

 

أما التحول الأخطر، فيكمن في نقل مركز الثقل من جبهة القتال إلى بُنية الدولة نفسها. الكهرباء، الاتصالات، وأنظمة التحكم لم تعد عناصر مدنية محايدة، بل عُقدًا عسكرية. أدوات إرباك تكسر الترابط، وتُفقد الدولة قدرتها على الاستجابة المتماسكة، شلل في الإدارة او إتخاذ القرار بأدنى مستوياته. في هذا النموذج القابل للتكرار، لا تُقاس النتيجة بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بزمن التعطيل. الدولة هنا لا تُهزم لأنها خسرت معركة، بل لأنها توقفت عن العمل.

 

على هذا الأساس، تُبنى الرسالة الاستراتيجية، وهي لا تُوجَّه إلى الدولة المستهدفة فقط، بل إلى كل من يعنيه الأمر، ولا سيما دول الجنوب الأميركي واللاتيني. مضمون الرسالة ليس: «نستطيع إسقاطك»، بل: «نستطيع تجاوز منظومتك كاملة من دون حرب». هنا تحديدًا يتغيّر معنى الردع. فالردع التقليدي، القائم على الجيوش ومنظومات الأسلحة الدفاعية والمتنوعة، يفقد وظيفته وقدرته ليكون تجاوزه ممكنًا وظيفيًا لا ناريًا. وعند هذه النقطة، يبرز «الردع الوجودي» (Existential Deterrence) بوصفه الخيار الأخير، لا لأنه يُستخدم، بل لأنه يمنع السيناريو من أن يبدأ أصلًا.

 

من هذا المنظور، أصبح الحديث عن السلاح النووي مفهومًا بوصفه تأمينًا سياديًا، لا نزعة انتحارية. فالقنبلة هنا ليست أداة حرب، بل أداة منع «الإذلال الاستراتيجي» (Strategic Humiliation)، ورسم حدّ سيادي لا يمكن تجاوزه. والمفارقة أن هذا المنطق، إن ساد، لا يدفع بالضرورة نحو حرب نووية، بل نحو عالم منقسم بحدّة: دول لا تُمسّ لأنها تملك الردع النهائي (النووي)، ودول تبقى عرضة للإستباحة أو الشلّ السريع مهما امتلكت من سلاح تقليدي.

 

من جهة اخرى؛ أسقَطَت العملية سباق التسلّح التقليدي، لتُسَرِع بالتالي التآكل المنطقي لنظام منع انتشار السلاح النووي أو تبرر السعي إليه، بعد ان اصبح الضمانة الوحيدة. هنا ايضآ تكمن الخطورة الحقيقية، العالم لا ينزلق نحو الهاوية بسبب لحظة جنون نووي او خطأ غير محسوب، بل لتقلص دور الشرعية الأممية وفقدان القواعد الكابحة المشتركة لحفظ السيادة. الهيمنة تُدار بلا حرب، والردع يُستعاد بلا اشتباك، لكن بالموازاة الاستقرار يصبح أكثر هشاشة.

 

إزاء ما تقدم، لم يَعُد السؤال: هل سيشهد العالم سباقًا نوويًا مفتوحًا..؟ بل ربما ما سيطرح: هل يستطيع النظام الدولي إنتاج شكل جديد من أدوات الردع تمنع التعطيل او الشلل الوظيفي قبل أن يُختَبَر..؟ في المحصلة، السيناريو الكاراكاسي تحذير من عالم تُهزم فيه الدول قبل أن تُقاتل، وتُنتزع فيه السيادة قبل أن يُطلق الرصاص.

————————-

عميد متقاعد؛ مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية