الرئيس التركي اردوغان واستراتيجية تصفير الخصوم..!

بقلم العميد مُنذِر الايوبي*

لم يكن مفاجئآ عودة الدفء الى العلاقات التركية الاسرائيلية في ظل تأرجح المتغيرات بين رياح التسويات وصواعق الاشتباك العسكري من النوع المحدد الجبهات وان كانت الارجحية للأولى.. كما لا يخفى ان محفزات هذه المتغيرات باتت مرتبطة بعدة عوامل اقتصادية وجيوسياسية، اضفى على اهميتها العملية العسكرية المفتوحة في الزمان والمكان للقوات الروسية على الاراضي الاوكرانية، بالتوازي مع تنامي التوتر الروسي الاوروبي بشكل مضطرد، بعد نزوع دول الطوق الروسي للانضمام الى حلف شمال الاطلسي خشية متابعة المدرعات الروسية طريقها نحو حدود كل منها ولو في المديين المتوسط او البعيد.. اذ من المعلوم بيولوجيآ ان الدب القطبي Ursus maritimus بطيء الحركة لكنه يمتاز بشراسة نمطية وشراهة غير محدودة، كما يطلق على طريقة صيد غذاءه من طرائد الفقمات “الصيد الساكن”،.!

 

في نفس السياق، يغزل النول الاقليمي خيوطه دون عقد او عشوائية بعد حياكة دول الصف الاول “روسيا- تركيا- ايران واسرائيل” علاقاتها بشكل ثنائي او ثلاثي مع استحالة جمع الاضلاع الاربعة نتيجة الصراع التاريخي بين ايران والعدو الاسرائيلي..! واذ تحاول المملكة العربية السعودية قيادة ولم الشمل العربي بالحد الادنى، الا ان انفراد عدة دول وامارات السير في عملية تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، وانغماس أخرى في حروب اهلية ونزاعات داخلية، شكل مانع التحام خلايا “الانسجة الضَّامة” Connective Tissue للجامعة العربية لإفتقارها الى الالياف المرنة وبروتين الكولاجين Collagen الداعم والرابط، مما فرمل هذه المحاولات على اكتفاء صياغة وحدة استراتيجية لدول الخليج العربي اضافة الى مصر والاردن وغيرهما، في عقيدتها العسكرية وتوجهاتها ان ايران مصدر الخطر والتهديد لانظمتها ومصالحها سواء مباشرة او بالاذرع الاقليمية الغير متمايزة Undifferentiated ..!

في معادلة المصالح لا تعتبر عودة العلاقات الديبلوماسية بين انقرة وتل ابيب محصورة بالتقارب الاقتصاذي والتبادل التجاري والتعاون في مجالي الغاز والطاقة لشرق المتوسط، فالتنسيق الامني والعسكري من الاهمية بمكان في ظل العلاقة الجيدة بين اسرائيل والتنظيمات الكردية التي تصنفها تركيا في خانة الارهاب، بالتوازي مع علاقة جيدة تربط الاخيرة بحركة المقاومة الاسلامية في فلسطين (الجهاد الاسلامي وحماس) كما سيشمل هذا التنسيق بقع التقاطع كشمال سوريا واذربيجان، الا انه يبقى خارج المواجهة بين اسرائيل وايران، اذ ان العلاقة الاستراتيجية بين طهران وانقرة من الثوابت كما انها على نفس الدرجة مع موسكو….!

استطرادآ يبدو ان الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يمسك العصا من وسطها مستبدلآ سياسة عض الاصابع منتهجآ سياسة مبدأية “صفر خصومات” مما يدعم حالة الاستقرار الاقليمي الى حد ما، مع سعي واضح لجعل بلاده حاجة للجميع.. وفي تغريدة لرئيس وزراء العدو يائير ليبيد اعتبر «ان تجديد العلاقات مع تركيا أمر مهم بالنسبة للاستقرار في المنطقة، وهو مهم اقتصادياً أيضاً لمواطني إسرائيل»..! فيما اعتبر كثر من مراقبين ان عودة العلاقات سيسمح بتضييق الخناق على كل من الحركات الاسلامية في فلسطين من جهة كما الميليشيات الكردية..! في حين اكد وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو “أن استئناف العلاقات لن يدفع تركيا إلى التخلي عن القضية الفلسطينية”. كما علق وزير خارجية ⁧‫فلسطين‬⁩ رياض المالكي قائلا: “ان العلاقات بين ⁧‫تركيا‬⁩ و ⁧‫اسرائيل‬⁩ ستكون مفيّدة للقضية الفلسطينية”..!

تاليآ، ضمن هذا المناخ المعتدل سجلت ايجابية اعلان دولة الامارات العربية المتحدة مؤخرا اعادة سفيرها الى طهران لا سيما في ظل جولات المحادثات الجارية بين الاخيرة والرياض التي برأي المراقبين وصلت الى مرحلة متقدمة..! كما لا يخرج عن هذا الحراك عقد القمة الخماسية اليوم الاثنين في جمهورية مصر العربية والتي سيشارك فيها كل من قادة مصر، الإمارات، البحرين، العراق والأردن..! بالمقابل وبموازاة ما يتردد عن تقارب تركي- سوري يتلمس طريقه، فإن الخطوة الانفتاحية التالية للرئيس التركي ستكون نحو مصر فهو بدأ مرحلة الابتعاد عن تنظيم الاخوان المسلمين، سالكآ طريق ترطيب العلاقات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ووقف المناوشات على المسرح الليبي..!
تزامنآ، كان لافتآ ما ادلى به الدكتور تورهان شوماز المستشار السياسي السابق للرئيس التركي: ” اردوغان لن يكون كما من قبل صديقا جيدا لتنظيم الاخوان عقب تطبيع بلاده العلاقات بشكل كامل مع اسرائيل، ولن يسمح بعد الآن للتنظيم في أنقرة مواصلة أنشطته السياسية مرة أخرى”، لكنه استبعد تسليم العناصر المناوئة للنظام في الوقت الحالي، قبل تحسين العلاقات بشكل كامل مع القاهرة.! كما رأى “أن أردوغان لن يقوم بطرد قيادات حماس، لكن سيبدأ في إبعاد عناصر الصف الثاني في الحركة إلى بلد ثالث لإرضاء إسرائيل”..!

أخيرآ؛ من الثابت ان كل ما يجري على مسرح الاقليم لا يخرج عن التوجهات الاميركية في اطار معالجة الملفات المعقدة، بما يواكب جملة اهداف مطلوبة ليس اقلها تحصين البيئة الاوروبية والدولية عسكريا بوجه روسيا؛ مواجهة الازمة الاقتصادية التي تعصف بالكوكب سواء على صعيد امن الطاقة ام الامن الغذائي؛ التوقيع على الاتفاق حول البرنامج النووي الايراني بنسخته الجديدة؛ انهاء ملف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والكيان الاسرائيلي .الخ..! واذ يبقى الوطن الصغير في اتون الصوامع المشتعلة فالواقع مؤلم ملتبس مضني ان لم نهزمه هزمنا..!

بيروت في 22.08.2022P