الاتفاق المرحلي الاميركي- الإيراني المُحتَمل بين حسابات الكلفة والردع.

 

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الايوبي*

لا تزال البيئة الإقليمية تحت وطأة تصعيد عسكري غير مسبوق، يتزامن مع إتصالات متعددة الأطراف ومفاوضات غير مباشرة بين واشنطن وطهران. هذا التوازي لا يثبت وجود اتفاق وشيك، لكن المعلومات تشير إلى احتمال بلورة تفاهم مرحلي اولي يرتكز على ضبط النشاط النووي مقابل تخفيف محدود للعقوبات. السيناريو المطروح، إن صحّ، لا يستهدف تسوية شاملة متعذرة حاليآ، بل إدارة مستوى المخاطر ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة في المدى القريب. عليه إقتضى تفكيك حسابات الكلفة والردع لدى الطرفين بدل الاكتفاء بقراءة مظاهر الحشد العسكري.

اولآ؛ تدرك إيران أن مواجهة عسكرية واسعة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل ستعرّض بنيتها النووية والعسكرية لضربات مباشرة، مع احتمال توسع المواجهة إلى ساحات إقليمية متعددة. فيما النمط السلوكي الإيراني خلال العقدين الماضيين يُظهر تفضيل إدارة الصراع عبر أدوات غير مباشرة وتدرّج محسوب في التصعيد. على هذه الخلفية فإن اتفاقآ مرحلي يمنح طهران مكاسب تكتيكية واضحة: خفض احتمالات الضربة العسكرية، تخفيف جزئي للضغوط الاقتصادية، وكسب وقت لإعادة ترتيب قدراتها ضمن إطار تفاوضي أقل حدة. لكنه في المقابل يقيّد حركتها النووية ويخضعها لرقابة أوسع.

ثانيآ؛ في الحسابات الأميركية؛ سيما قيادة البنتاغون فإن عملية عسكرية ضد إيران لن تكون قصيرة أو منخفضة الكلفة. اذ ان المنشآت النووية موزعة ومحصّنة، والرد الإيراني قد يتجاوز المسرح المباشر ليشمل مصالح أميركية أو حلفاء إقليميين. ما أوجد تقديرات متباينة داخل دوائر القرار الأميركية، بين من يرى الضربة العسكرية ولو المحدودة وسيلة لإعادة ضبط الردع، وفريق آخر يحذر من انزلاق إلى حرب طويلة الأمد. هنا يصبح الاتفاق خيارًا ومخرجآ ان لم نقل حاجةً، مع إمكانية تسويقه كإنجاز دبلوماسي مرحلي.

ثم ان الحشد العسكري الأميركي لا ينفي هذا الاحتمال. إذ ان رفع مستوى الجاهزية يكون في أحيان كثيرة أداة ضغط لتحسين شروط التفاوض ورفع كلفة الرفض لدى الطرف المقابل. غير أن هذا الأسلوب يزيد أيضًا من احتمال سوء التقدير، ما يجعل مسار التهدئة – إن بدأ – هشًا بطبيعته من جهة؛ وتحت رحمة قرار التصعيد الاسرائيلي من جهة اخرى.

ثالثآ؛ على الصعيد الوطني؛ ان أي خفض للتوتر الأميركي–الإيراني ينعكس تلقائيًا وبشكل إيجابي إلى حد ما على الواقع اللبناني الحالي، اذ ان المواجهة الشاملة ستضع لبنان ضمن دائرة الاشتباك سواءً أحجَم حزب الله ام أَقْدَم. لذا فإن اي اتفاق مرحلي -إن حصل- يقلّص احتمال الحرب الواسعة في المدى القريب. لكنه لا يبدّل معادلة الردع القائمة على هشاشة لجنة الميكانيزم.
بل قد يدفع إسرائيل إلى تكثيف إعتداءاتها مَنْعَ تراكم قدرات نوعية لدى المقاومة على ما تُعلِن، وضمن سقف مضبوط يُحيد المدنيين على ما تزعَم.

رابعآ؛ في البعد التقني؛ من البديهي ان العنصر المركزي لأي تفاهم مرحلي يكون عبر إعادة تفعيل الرقابة الكاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية على المواقع النووية وربما بحضور أميركي مباشر، مع فرض قيود محددة على مستوى التخصيب وحجم المخزون. غير أن مَلَفَي الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي (الأذرع) سيبقيان على الأرجح خارج الإطار المُلزِم في المرحلة الأولى. بذلك يصبح الاتفاق – إن أُنجز – نوويًا محدود النطاق، لا تسوية استراتيجية شاملة.

خامسآ؛ المعطيات الحاليّة لا تسمح بالجزم او التأكيد، لكنها تشير أن كلفة الحرب مرتفعة بما يكفي لجعل الخيار المرحلي مطروحًا على الطاولة. دون إهمال واقع أن إدارة الأزمة لا تعني حلّها ،بل ترسيم لحدود الاشتباك الجديدة، سيما إن تساوت الكلفة لدى الطرفين كُلَآ وفق حساباته.

ثم ان الهامش الزمني للوصول إلى إتفاق مرحلي بات بالساعات المعدودات، على ما إستُخلِص من خطاب الرئيس ترامب امام الكونغرس الاميركي يوم امس، وإنجازه برأي القيادة العسكرية الاميركية يُحسَب له لا عليه. في المحصلة سيكون تأجيل لإختبار القوة المستمر لا أكثر. إذ لن يعيد صياغة ميزان الردع في المنطقة، لا بل سيبقي الاقليم وايران رهينة تفاعل مستمر بين القوة العسكرية، الضغوط الاقتصادية، وحسابات المخاطرة السياسية.

*عميد متقاعد،مختص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية