مميزالرأي الحر

يوم القدس العالمي بين المحتفين به والمستنكرين له

 

بقلم : د. بهجت السعيدي*

في الوقت الذي يحتفي في كثير من المسلمين في فلسطين وبعض الدول العربية والإسلامية بيوم القدس الذي أقرته ونادت به أول مرة جمهورية إيران الإسلامية، نجد كثيرين يستنكرون وينتقدون إحياء هذه المناسبة بل ويدعون لإلغائها ولأسباب ومبررات شتى وكمايلي:
أولا – فلنحرر بلداننا من الاحتلال والفساد والجهل والمرض وبعدها نفكر في تحرير القدس. لهؤلاء أقول إن تحرير القدس ومايتطلبه من مقدمات وأقوال وأفعال وطقوس لايختلف عن تحرير بلداننا فأمريكا والصهيونية لاتحتل القدس لوحدها بل تحتلنا جميعا وأغلب الأوضاع المتردية في بلداننا نجد لأمريكا والصهيونية دوراً فيها بشكل مباشر أو غير مباشر، وكل ما يمكن أن نقوله أو نفعله لتحرير القدس يصب في النهاية في تحرير بلداننا علماً أن احتلال القدس وفلسطين وتخاذل الحكومات العربية عن تحريرها كان عاملاً رئيسياً في تفشي الذل والهوان في بلداننا وتوسع نطاق الاحتلالات العسكرية والاقتصادية والسياسية وهيمنة القرار الأمريكي الصهيوني على واقعنا وأحوالنا وأجيالنا. ثم إن الاحتفاء بالمناسبات والأعياد لايتطلب أن نصل قبل ذلك للحالة المثلى المطلوبة لكل قضية فعلى سبيل المثال نحن نحتفل بعيد المرأة رغم أن المرأة عموما ماتزال مضطهدة في مجتمعاتنا وبلداننا ونحتفل بعيد العمال رغم أن العمال عموما مايزالون يعانون من قسوة العيش والفقر وأزمة السكن ونقص الخدمات الاجتماعية إلى غير ذلك من مناسبات ماتزال تفتقر لتحقيق مضامينها وأهدافها ولم نسمع أحداً استهزء بالاحتفال بها أو نادى بإلغائها كما هو الحال مع يوم القدس.
ثانيا – أو يعتبرون إحياءه موالاة لإيران ومنقصة بحق العرب والعروبة. لهؤلاء أقول إن الله تعالى يقول في القرآن الكريم “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” فجنسية الإنسان وقوميته ليست معيارا للمفاضلة بل التقوى والحديث النبوي الشريف يقول “الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها” فالقضية قضية مبدأ والقدس قضية ورمز عقائدي للإسلام وباقي الديانات السماوية السابقة ويجب الدفاع عنها حتى لو كان النداء صادراً من دولة غير مسلمة فمابالك لو كانت دولة مسلمة وشرق أوسطية كإيران. ولو كان هذا القياس صحيحا لوجب علينا التخلي عن الاحتفاء بالمناسبات العالمية والإنسانية كيوم المرأة وعيد العمال وغيرهما من المناسبات فقط لأن من ابتدعها أول مرة دول غير إسلامية.
ثالثا – أو يعتبرون إحياءه طاعة للأحزاب الفاسدة التي تحتفي به. لهؤلاء أقول لايضر يوم القدس أن تحييه الأحزاب الفاسدة فالأعمال بالنيات ولكل امرئ مانوى وليس شرطا أن نشترك مع الأحزاب في إحيائه بل يمكن لكل شخص أن يحتفي به من مكانه وعلى طريقته خصوصا في ظل الحظر الصحي الذي نعيشه بسبب وباء كورونا.
ختاما أقول إن الشعارات والطقوس ليست شيئاً سلبياً بذاتها، إنما السلبي عدم مطابقتها للنيات والسلوك كما إن الشعارات والطقوس عامل حماس وتحفيز يحافظ على الرغبة في تحقيقها ويدفع الإنسان ولو بمقدار ضئيل للسعي نحو تحقيقها أما إذا استجبنا للأصوات الداعية لإلغائها أو تقليلها فستندثر تماماً القضايا المرتبطة بها بمرور الزمن وينتفي حينها المضمون والعنوان والروح والجسد.

—————–

*شاعر وطبيب عراقي

مقالات ذات صلة