واشنطن لا تريد الحرب… وتل أبيب لا تريد الانتظار..!

خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم العميد منذر الايوبي*

من الواضح ان التوتر بين إسرائيل وإيران حافظ على منسوبه المرتفع منذ حرب الاثني عشر يومًا خلال شهر حزيران من العام الماضي. ليتحول تدريجيآ اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة مرحلة إقليمية انتقالية معقدة. اذ ان المسألة لم تعد تتعلق فقط بإمكانية اندلاع حرب او عدمها، بل بحدود القرار الأميركي، وكيفية إعادة توزيع النفوذ في شرق أوسط يعاد تشكيله على وقع تنافس القوى الكبرى.

في السياق الموقفي؛ ترى إسرائيل ان إيران تشكل تهديدًا بنيويًا يتجاوز البرنامج النووي، اذ يشمل دون حصر ترسانتها الصاروخية، وشبكة النفوذ الإقليمية المتعددة الساحات. من هذا المنظور، فإن أي اتفاق لا يحدّ او يفكك هذه القدرات يُعدّ تأجيلًا للمشكلة لا حلًا لها. لذلك يبقى الضغط العسكري، ولو في مستوى التلويح او التهديد جزءًا من استراتيجية الردع الإسرائيلية، سواء عبر العمليات غير المباشرة أو عبر رفع سقف الخطاب التعبوي.

فيما الحسابات الأميركية أوسع من زاوية الشرق الأوسط وحده. واشنطن تدير في آنٍ تنافسًا استراتيجيًا مع الصين، ومواجهة مفتوحة مع روسيا في أوروبا. لذا فإن حربآ شاملة مع إيران قد تستنزف الموارد، وتربك أسواق الطاقة، كما تمنح الخصوم فرصة لإعادة ترتيب أولوياتهم ومواقعهم. من هنا يبدو خيار التفاوض، مهما كان هشًا، أكثر انسجامًا مع أهداف جيو-استراتيجية بعيدة المدى.

ثم ان السياسات الخارجية للدول لا يمكن فصلها عن ضغوط الداخل، حتى في أكثر اللحظات حساسية. والعامل الداخلي حاضر بقوة لدى الحَليفّين، إذ تعتبر ادارة الرئيس ترامب ان أي انخراط عسكري واسع يخضع لحسابات الكونغرس، والرأي العام، والاستحقاقات الانتخابية. وفي إسرائيل ايضآ تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع التوازنات السياسية الداخلية، ما يجعل هامش المناورة مرتبطًا بضرورات البقاء السياسي بقدر ارتباطه بتقديرات المؤسسة العسكرية.

من زاوية اخرى؛ يشكل اقتصاد الطاقة وموارد الثروة عنصر ضبط غير معلن. فمنطقة الخليج العربي ليست مجرد مسرح عسكري يمكن استخدامه، بل شريان حيوي للاقتصاد العالمي. وأي اضطراب او توتر يترك أثرًا مباشرًا على الأسعار والاستقرار المالي، ما ينعكس مباشرة على الاقتصادات الكبرى. وفي عالم مترابط، قد نجد ثمن برميل النفط أغلى من كلفة الصاروخ نفسه، هذا ما يجعل واشنطن ودول الإقليم المؤثرة تميل إلى احتواء التصعيد ضمن سقف محسوب.

اما على صعيد مستوى الردع، فالمعادلة غير متكافئة. إسرائيل تمتلك تفوقًا تكنولوجيًا وقدرات ردعية عالية، فيما تعتمد إيران على بنيتها الباليستية، دعم الحلفاء وأدوات الضغط غير المباشر. ما يكرس توازن خوف متبادل. إذ لكل طرف قدرة إلحاق ضرر بالغ بالآخر وإن اختلفت الوسائل. هذا ما يجعل الاشتباك غالبًا تحت عتبة الانفجار الشامل.

في الخلفية، تراقب موسكو وبكين المشهد بحسابات دقيقة. انشغال واشنطن في الخليج يخفف الضغط في ساحات أخرى، لكنه يهدد استقرارًا تحتاجه كلاهما لإشباع متطلباتهما الاقتصادية والسوقيّة. هنا تتقاطع مصالح متناقضة عند نقطة واحدة (تجنب الحرب الكبرى). ليندرج اللقاء الأخير بين الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة الإسرائيلية ضمن هذا السياق. وإذ تكتسب أهميته في الشكل والعناوين المعلنة، إلا ان خطره فيما لم يُعلن كما في حدود ما لم يُحسم.

ثم ان إبقاء باب التفاوض مع إيران مفتوحًا يعكس ترويآ أميركيًا. فيما لم يحصد السقف الإسرائيلي المرتفع اي التزام أميركي مباشر. هذه الفاصلة الدقيقة لا تعني افتراقًا استراتيجيًا، لكنها تكشف اختلافًا في ترتيب جدول الأولويات، لِيُقاس التحالف بمدى استيعاب التباين لا إلغائه.

على الصعيد الوطني؛ يظل لبنان بحكم موقعه وتركيبته وارتباطات أطرافه بالخارج في دائرة التخبط بملفات الإلهاء، ومتأثرًا مباشرة بأية تغيرات إقليمية تطرأ . ما يبقيه تحت رحمة العدوان المتمادي إلى أجَل، كما يجعل الخطاب السياسي الداخلي ترويجيآ، وترجمة جزئية للإشتباك الإقليمي..

في المحصلة؛ المشهد الآن لا يعبر عن مواجهة بين اندفاع وتهدئة، بل عن صراع بين كلفة الحرب وكلفة الصفقة، بين منطق الردع ومنطق إعادة التموضع. ورغم الضجيج المُثار تبقى المنظومة الدولية مَيالة للبحث عن توازن جديد. بعبارة واحدة: بين الحرب والاتفاق، قد يكون ما نشهده هو إعادة تعريف لقواعد اللعبة، لا إعلانًا لنهايتها..!

‏——————————-

*عميد متقاعد؛ كاتب