مميزتحقيق ميدانيمجهول

هنا نسج المجد أساطيره.. ومن هذه الوهاد انبلج الصبح أياماً بلون الكرامة …

“الدنيا نيوز” – دانيا يوسف

تصعب الكتابة عن بعض الوقائع والاحداث وصياغتها في كلمات وجمل دون العودة الى المكان الذي صنع فيه الحدث.
لم ندخل التاريخ للبحث عن الهوامش والمتون والوثائق… لقد قصدنا تلك الوهاد والسهول والقرى الوادعة حيث كان الحدث الاهم في هذه المنطقة من العالم وربما في العالم كله حيث استطاعت ثلة من الشباب المؤمن بربه ان تدحر جيشا هو عنوان العنجهية والعنصرية رغم كل امكاناته العسكرية الضخمة…
عندما تدير محرك السيارة متوجها نحو اقصى الجنوب تمر على شريط من الذكريات يتحرك امامك تماما كما تتسلل وسط هضاب وجبال ومشاهد خلابة وفضاء مختلف.
في الطريق… تفتح تلك المدن والقرى والبلدات العاملية ذراعيها لتقص حكايتها الطويلة.
هنا النبطية، المدينة التي طالما استيقظت على سياط الجلاد حيث وجع الاحتلال الذي ربض طويلا على اجمل تلاتها، تنام اليوم في راحة بال لا مثيل لها. وعندما تنهض مع الصبح تضج فيها الحياة دون اصوات الغربان.
هنا او هناك… في كل بقعة… لكل حبة تراب قصة…
نتجه شمال بلدة النبطية فلا نكاد نلتقط انفاسنا من روعة الطبيعة الخضراء حتى نسمع الدليل الذي يرافقنا يشير بالقول: انظروا الى الاعلى… هناك كان موقع الدبشة الصهيوني…
يا الله ما اضعف جبروت العدو… فتلك المواقع المحصنة التي كانت تمتد على تلك السلسلة الجبلية المرتفعة، كم شهدت من العمليات النوعية لابطال المقاومة التي أذّلت اللاحتلال. واليوم تستقبلك رايات النصر مغروسة في الاعالي وتدعوك لمواصلة السير بأمان…
كيفما نظرت تشاهد جدائل ورقية غناء وتسمع سكونا مخمليا يقطعه صوت الدليل يقول لك: هنا كان معبر كفرتبنيت البوابة التي طالما قطعت اوصال الوطن. اليوم تنبت ازهار الاقحوان على جانبي الطريق وتلتف بحنان حول بعض اعمدة التأريخ للامجاد… تقرأ بفخر “هنا اذّن بلال وأقام للنصر صلاة-كمين الشهيد بلال الاخرس”. تقترب قليلا فتلمح عبارة “عملية الشهيد الحي-المجاهد الذي واجه قافلة عسكرية صهيونية وعاد سالما”.


والملاحظ ان هذه الطريق التي تمت عليها العملية تقع على مرأى من قلعة الشقيف. وذلك المعلم التاريخي الذي حوّله الصهاينة الى مصدر عدوان وقتل، يقف اليوم شامحا يناطح السحاب ويسطر كل حجر من حجارته انشودة الصمود.
وها هي السيارة تختال بنا مزهوة من قرية الى اخرى …هنا كفرشوبا. تلك البلدة التي تعتبر اليوم، كما في الماضي، بوابة المقاومة وخط المواجهة مع العدو الصهيوني.
فمن هذه البلدة بالذات انطلقت المقاومة مع بدايات نشوء الكيان الصهيوني واغتصاب ارض فلسطين، فارتفع عدد الشهداء دفاعا عن وطنهم الثاني فلسطين.
وبقيت كفرشوبا متعالية على الجراح خاصة ان العدو لا يزال قابعا على تلالها الشرقية من خلال الموقعين الشهيرين في رويسة السماقة ورويسة العلم، والذين لم يتوقفا عن استهداف اطرافها يوميا بالتمشيط.
الخيام…معقل الأحرار:

نصل الى بلدة الخيام المطلة على فلسطين وعلى الجولان السوري وعلى مزارع شبعا.هذه البلدة التي عاشت فرحة خاصة تمثلت بتحرير الأسرى المحتجزين في معتقل الخيام.هذا المعتقل
الذي ذاع صيته وملأت العالم اخباره. سمي “معتقل الخيام” وبعد التحرير أصبح “معتقل الاحرار”.ما أن وطأ الأهالي أرض بلدة الخيام حتى توجهوا مع أهالي البلدة إلى المعتقل بعد فرار حراسه في ساعات الصباح الأولى، وغادر العملاء المولجون بحراسة المعتقل في موكب ضم حوالي أربعين سيارة مدنية ومصفحة وهم يطلقون النار في الهواء لتفريق المحتشدين، وتوجهت القافلة إلى بلدة المجيدية عند الحدود حيث توجد إحدى بوابات العبور نحو فلسطين المحتلة.
واجتاح حوالي خمسمئة شخص من الأهالي المعتقل في وقت لم يكن الأسرى واعين لما يجري حولهم، وحطم الأهالي أبواب الزنازين بما وصلت إليه أيديهم من عصي وقضبان حديدية، وكان اللقاء الكبير واختلطت الأيدي والأصوات المهللة بالنصر والتحرير، وتجمع الأسرى المحررون في حسينية بلدة الخيام لإحصائهم والتأكد من عددهم وهو 144 أسيراً.

بقيت آثار المعتقل ليكون متحفا لتاريخ يشهد على ظلم الصهاينة وعملائهم وذكرى يسردها اهل الخيام لزائريهم.لكن العدو ظنّ أنه بتدميره المعتقل كليا في عدوان تموز 2006 سيزيل آثار جرائمه وعملائه التي وثّقتها ذاكرة مئات المحررين وتحفظها الأجيال.
مع كل هذه المعاناة، هنا في الخيام، كل رجل، كل امرأة، كل طفل هو مقاوم
الوزاني…تحرير المياه:
كانت وجهتنا منطقة الوزاني… انغام الطيور على اشجار الصفصاف كانت اجمل استقبال.
فرحة اهل الوزاني بالتحرير الذي تحقق عام 2000 اضيف اليها اليوم فرحة تحرير المياه بعد تحرير الارض… حتى المياه لها حريتها عندما يجتهد العدو في سرقتها ويمنع ابنائها عنها منذ العام 67.
يحل الظلام وتكاد تحتفي تلك القرى والربوع الجميلة التي متعتنا مناظرها طيلة النهار، كان ذلك ايذانا بالرحيل.
تغادر الجنوب بآلاف المعاني التي زهرت في غصون القلب. ثمة صوت ينبع من داحلك يردد ما حفظناه من ارقام…
اثنان وعشرون سنة من الاحتلال ولا انكسار…
اثنان وعشرون سنة من القهر والقيود ولم يبق السجان…
سلام الى كل القرى الساكنة في عيون المجاهدين. سلام على الذين استشهدوا لأجل حرية الوطن… لكل الاهالي الذين بحبهم وصمودهم ودعمهم يبقى لنا وطن… وتبقى نوارته: المقاومة…

مقالات ذات صلة