خاص – “اخبار الدنيا”
بقلم الدكتورة ميرنا داود*
في العلاقات الدولية، تُعتبر المصلحة الوطنية المحرك الأساسي للسياسة الخارجية، حيث لا تقوم العلاقات بين الدول على العواطف أو الروابط الوجدانية، وإنما على أسس البراغماتية السياسية وتبادل المصالح . فالدولة، في سعيها لتحقيق أمنها واستقرارها ونفوذها الإقليمي أو الدولي، تعتمد مبدأ “الواقعية السياسية” الذي يُقدّم المصلحة على القيم الأخلاقية أو العاطفية.
ومن هذا المنطلق، تُعتبر السياسة الخارجية أداة لخدمة الأهداف الاستراتيجية للدولة، وليست وسيلة لتكوين صداقات أو تحالفات قائمة على المجاملة أو الانسجام الشخصي بين القادة. إن حجر الأساس في بناء أي علاقة دولية ناجحة يتمثل في وضوح المصالح المشتركة، وتوازن القوى، واحترام السيادة، بما يضمن استمرارية العلاقة في إطار من المنفعة المتبادلة وليس من العاطفة العابرة.
في العمل السياسي، هناك فرق شاسع بين الحق والصحيح والمتاح. الحق هو المعيار الأخلاقي المثالي الذي ينبغي أن يكون، وهو قيمة مطلقة قد تتحقق جزئياً أو لا تتحقق على الإطلاق. أما الصحيح فهو ما يتبناه طرف ما في المعادلة السياسية، انطلاقاً من معطيات الجغرافيا والتاريخ والصراع. أما المتاح فهو الواقع الذي قد يتجاوز الحق إلى غيره، وقد يتطابق مع الصحيح أو لا يتطابق معه بدرجات متفاوتة.
هذه الثلاثية تطرح تساؤلاً حول مدى توافق الأخلاق مع ممارسة السياسة. هل يمكن للسياسي أن يبقى ملتزماً بالقيم الأخلاقية في ظل الضغوط والتحديات التي يواجهها؟ بعض النظريات السياسية، مثل نظرية “الغاية تبرر الوسيلة” لماكيافيلي، ترى أن السياسة يجب أن تكون خالية من الأخلاق لتحقيق الأهداف السياسية. بينما ترى نظريات أخرى، مثل النظرية الأخلاقية، أن الأخلاق يجب أن تكون أساس العمل السياسي.
التاريخ يقدم لنا أمثلة متنوعة على هذا الصعيد. هناك سياسيون حافظوا على الأخلاق في عملهم، مثل نيلسون مانديلا، الذي قاد جنوب أفريقيا نحو الديمقراطية والمساواة. وهناك أمثلة أخرى على سياسيين ضحوا بالأخلاق لتحقيق أهدافهم، مثل بعض الدكتاتوريين الذين استخدموا القمع والعنف لتحقيق مصالحهم الشخصية.

في عصرنا الحالي، تواجه السياسة تحديات كبيرة مثل الفساد والتطرف، مما يطرح أسئلة حول دور الأخلاق في مواجهة هذه التحديات. المجتمع المدني والإعلام يلعبا دوراً كبيراً بطبيعة الحال في الضغط على السياسيين للالتزام بالأخلاق والقيم.
ولكن تحقيق التوازن بين الأخلاق والسياسة يتطلب عدة عوامل، منها:
– الشفافية:
يجب أن يكون العمل السياسي شفافاً ومفتوحاً للمراقبة والمساءلة.
– المساءلة:
يجب أن يكون السياسيون مسؤولين أمام الشعب والمؤسسات الرقابية ولا احد فوق القانون.
– التثقيف السياسي:
يجب أن يكون المواطنون على دراية بمبادئ الأخلاق والسياسة ليتمكنوا من المشاركة الفعالة.
– القيادة الأخلاقية:
يجب أن يكون للقيادات السياسية نموذجاً يحتذى به في الأخلاق والشرف وهذا للأسف غائب عن الساحة السياسية حالياً.
لكن في النهاية، تحقيق هذا التوازن يعتمد على إرادة السياسيين والشعب في بناء نظام سياسي قائم على الأخلاق والعدالة.
هل يمكن للسياسة والأخلاق أن يتعايشا؟ الإجابة تكمن في قدرة المجتمع على بناء نظام سياسي يدمج بين المثالية والواقعية، وبين القيم الأخلاقية والمصالح السياسية.
————————-
كاتبة واستاذة جامعية
