هل يتحول الوجود المؤقت للاحتلال إلى واقع دائم في الوعي اللبناني؟

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

 

بقلم العميد منذر الأيوبي*

عقدان ونصف مضيا لتشهد أرض الجنوب مجددًا احتلالًا هو الأخطر في تاريخه، إذ يتعامل جيش العدو من منطلق بقاء طويل الأمد قائم على تصحير الأرض وتصفير الديموغرافيا. وإذا كانت القوة العسكرية تستطيع فرض نفسها على الجغرافيا، فإنها بحاجة إلى الزمن كي يتحول وجودها من حالة استثنائية إلى واقع مألوف يصعب تغييره.

عليه، لم يعد السؤال: متى يتم انتهاء الاحتلال؟ بل كيف يفرض التعايش معه؟ ما يعني انقلابًا عميقًا يسقط المواجهة ويدفع نحو طرق بديلة أو مختلفة في التعامل معه؛ وبالتالي يصبح أحد معطيات الواقع التي يجري البحث في كيفية إدارتها، وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها «الاعتياد».

غالبآ ما يبدأ الوجود العسكري على أرض محتلة أو متنازع عليها بتبرير. فالهدف المُعلن دائمًا لتغطية العدوان والتوسع هو منع التهديد، حماية الحدود، إنشاء منطقة عازلة أو فرض ترتيبات مؤقتة ضمن مسار حل سياسي. لكن «المؤقت» لا يحمل في ذاته ضمانة زمنية.

إذ إن استمرار الاحتلال، مترافقًا مع إجراءات ميدانية ثابتة، يغير معالم الجغرافيا ويربط الحركة السكانية بإرادة القوة المسيطرة، مُرغمًا أهل الأرض على التكيف مع هذه الوقائع، ما ينتج واقعًا استثنائيًا مختلفًا قد يؤدي في منتهاه الى نوع من تطبيع سياسي إجتماعي له كلفته الخاصة عند محاولة تغييره.

في الحالة اللبنانية، الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن اختزالها في خرائط وخطوط حدود. هو قطعة من القلب وعضو من الجسد؛ مجتمع وقرى وبيوت وحقول وذاكرة وحركة بشرية متصلة بالأرض والعنفوان والكرامة الوطنية. وعندما يُمنع السكان من الوصول إلى مناطقهم أو العودة إلى منازلهم، وعندما تحرق الحقول وتجرف المعالم الحضرية وتصبح الطرق والممتلكات خاضعة لاعتبارات عسكرية، فإن المسألة لا تعود متعلقة بالسيطرة على مساحة من الأرض. بل هي تمُس العلاقة بين المكان والإنسان.

هذه العلاقة تحديدًا يجب ألا تتحول ضحية للزمن. فكلما طال النزوح مع تغير البنى العمرانية أو الاقتصادية أو الزراعية، تصبح العودة أكثر تعقيدًا واستعادة الحياة الطبيعية أكثر صعوبة. ومع مرور الوقت تولد أجيال تعرف المنطقة من خلال ما يُقال عنها لا من تجربة العيش فيها..

ثم إن هناك مستوى آخر أكثر خطورة من الاحتلال العسكري، هو ذاك الذي يبدأ بالتسلل إلى الوعي. فالتأقلم مع رؤية الحواجز الأمنية والقيود المفروضة على التنقل كما المناطق المحظورة، يجعل وجودها مع الوقت أقل إثارة للدهشة. وعندما يصبح الاعتراض عليها جزءًا من البيانات والمناسبات السياسية، بدل أن يبقى قضية وطنية ثابتة، تبدأ عملية التطبيع النفسي مع الواقع الجديد.

هذا لا يعني أن أهل الأرض يتقبلون الاحتلال أو يعترفون بشرعيته. “الاعتياد” لا يعني القبول. لكن الخطر في «التكيف»؛ الأول يضعف الإحساس أن الوضع غير طبيعي، أما التكيف فيعادل القبول الضمني، وهذا فارق بالغ الأهمية.

توازيًا، رغم أن الدولة ترفض بقاء الاحتلال وتحاول إنهاءه على طاولة التفاوض، إلا أن الخطر الجسيم يبدأ يوم تبني حساباتها السياسية والأمنية على أساس التسليم بأن استمراره مؤقت، أو القبول بجدولة انسحابات دون مهل، ما يسمح للزمن أن يكون حليف العدو. ورغم تمسك المجتمع الدولي بالموقف القانوني الداعم والشرعة الأممية، فإنه سيتعامل حينها وتدريجيًا مع الواقع القائم باعتباره أمرًا يحتاج إلى إدارة مرحلية..

ثم ان للبنانيين حق الخصام، الإنقسام الداخلي لا يجب أن يحجب الأصل. القضايا الخلافية كثيرة ويمكن أن تستحوذ على النقاش الوطني زمنًا: سلاح حزب الله، الاستراتيجية الدفاعية، دور الدولة، المفاوضات، القرارات الدولية، مستقبل الجنوب، وغيرها. لكن الإنقسام حول أي منها لا ينبغي أن يؤدي إلى التغاضي عن حقيقة أساسية: وجود الاحتلال الإسرائيلي على أرض لبنانية مسألة مستقلة عن الخلافات الداخلية، ولا ينبغي أن يصبح الوطن ضحية لها.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث ليس فقط بقاء الاحتلال والمراوغة لعدم الانسحاب، بل أن يصبح بقاؤه موضوعًا قابلًا للتفاوض، مفخخًا في فكرة كيفية إدارته بدل البحث في مسار إنهائه.
عندها تظهر مفاهيم جديدة من نوع ترتيبات أمنية، مناطق عازلة، آليات مراقبة، قواعد اشتباك، ضمانات مطلوبة، خطوط تماس، واقع ميداني جديد، تعثر في المفاوضات، تعليق الجلسات أو تضارب في الترجمة اللغوية للبيانات، إلخ…. كل هذه المفاهيم قد تكون ضرورية في مرحلة ما لإدارة أزمة قائمة، لكنها تصبح خطرة إن تحولت من أدوات مؤقتة إلى بديل عن معالجة أصل المشكلة.

من هذه المنطلقات يصبح لبنان أمام معركة «كَيّ الوعي» إذ لطالما سعى العدو للانتصار فيها. فالاحتلال يبقى احتلالًا، ولو طال أمده. والواقع الذي تفرضه القوة لا يتحول تلقائيًا حقًا بمرور السنوات، كما أن الاعتياد لا يجعله حالة طبيعية. لكن الحفاظ على هذه الحقيقة في الوعي الوطني لا يعني رفض أي مسار سياسي أو تفاوضي. فالمفاوضات يجب أن تكون طريقًا لإنهاء الاحتلال، في صلبها محاذرة تحولها وسيلة لإدارة ديمومته.

الخلاصة، في الجنوب اللبناني، المواجهة واضحة، أرض تُخلى، قرى تُحاصر، حركة تُقيّد، ومواقع تُراقب.… لكن المعركة الأعمق قد تكون مع الزمن. فالوقت الذي يمر دون عودة طبيعية للسكان، ودون استعادة كاملة للسيادة ليس محايدًا. إنه وقت يعمل لصالح تكريس الأمر الواقع .
ولهذا، فإن حماية الجنوب لا تعني فقط حماية حدوده، بل حماية علاقته بأهله، وذاكرته، والأهم حماية الوعي اللبناني من أن يتعامل مع الاحتلال كأنه قدر دائم.

أخيرًا، تاريخيًا، الاحتلال يبدأ بفرض نفسه على الأرض، لكنه لا يصبح واقعًا مستدامًا إلا عندما ينجح الزمن في جعله مألوفًا. وأخطر ما يمكن أن يحدث للبنان ليس أن يطول الاحتلال فقط، بل أن يطول إلى درجة ينسى معها اللبنانيون أن نهايته هي الأصل، وأن وجوده هو الاستثناء. إن أولى خطوات استعادة الأرض هي رفض اعتياد غيابها.

——————————-

*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب.