هل نحن نملك الدولة؟ أم الدولة تملكنا؟
خاص – “الدنيا نيوز”

بقلم: الدكتورة ميرنا داود
سؤال يتكرر دوما:ما هي المواطنة؟
لن أقول إنها بطاقة في الجيب، ولا ختم أزرق على جواز السفر، ولا نشيد نحفظه صغاراً وننساه كباراً.
المواطنة هي سؤال واحد خطير، نخاف أن نسأله: من يملك من؟ هل نحن نملك الدولة، أم الدولة تملكنا؟
طوال عمرنا، خلطنا بين ثلاث حكايات، حسبناها حكاية واحدة.
الحكاية الأولى، حكاية الرعية:
أن تولد هناك، فتكون تابعاً.
الدولة فوقك، كسقفٍ لا تراه، وأنت تحتها.
لا تسأل، لا تُحاسب. علاقتك بها ليست حقاً، بل خوف وامتنان. إن أعطتك، قلتَ شكراً، وإن منعتك، سكتّ.
والحكاية الثانية، أكثر دفئاً وأكثر خطراً، حكاية الشعب:
أن تنتمي لأنك تشبههم.
تتكلم مثلهم، وتصلي مثلهم، وتحفظ نفس الحكاية والجرح.
جميل أن تشبههم، لكن الخطورة تبدأ حين يظهر من لا يشبهك. حينها، يتحول المختلف من شريكٍ في الطريق، إلى متّهمٍ في الانتماء.
أما الحكاية الثالثة، فهي الانقلاب:
الانقلاب الفلسفي الكبير الذي جاء به روسو وكانط وسمّياه المواطنة.
في هذه الحكاية، أنت لا تنتمي لأنك وُلدت صدفة، ولا لأنك تشبه القطيع. أنت تنتمي لأنك تعاقدت.
المواطنة عقد:أقول أنا للدولة: سأتنازل عن جزءٍ من حريتي المطلقة، وتتنازلين أنتِ عن جزءٍ من سلطتك المطلقة، ونلتقي في الوسط لنخلق شيئاً ثالثاً، لا هو أنا ولا هو أنتِ، اسمه القانون. القانون الذي لا ينزل من السماء ولا يخرج من عباءة القبيلة، بل نكتبه نحن، بأيدينا.
وهنا، لا بد أن نُفرّق بين توأمين ظنناهما واحداً: الوطنية والمواطنة.
الوطنية عاطفة تسكن القلب. هي أن تحب ترابك، لهجتك، رائحة خبز أمك في الصباح. أن يرتجف قلبك حين تسمع نشيدك.
أما المواطنة فهي عقل يسكن القانون. أن تعرف ما لك وما عليك. أن تطالب، وأن تؤدي.
الوطنية تقول وهي معصوبة العينين: وطني على حق دائماً. والمواطنة تقول وهي مفتوحة العينين: وطني قد يكون على خطأ، وواجبي أن أُصحح له الطريق لأني أحبه.
الوطنية بلا مواطنة تصبح هتافاً في ملعب ينتهي مع صافرة الحكم. والمواطنة بلا وطنية تصبح معاملة باردة على شباك موظف.
نحن لا نحتاج وطنيين يبكون على العلم ويسرقون ماء الدولة. نحن نحتاج مواطنين يحبون العلم لدرجة أنهم سيحاسبون من يسرق الماء باسمه.
تقوم المواطنة على مفارقات لا يفهمها إلا من جرّبها. أن تكون حراً بأن تقبل أن تُقيَّد بقانونٍ صنعتَه بيدك. وأن تتساوى مع الآخر ليس لأنك تشبهه، بل رغم أنك لا تشبهه. وأن تنتمي لدرجة أن تجرؤ على النقد، لأنك لا تنتقد بيت جارك، أنت تنتقد بيتك كي لا يسقط.
وتموت المواطنة، تموت بهدوء، حين يتحول الحق إلى هبة.
حين تصبح الوظيفة هبة من الزعيم، والطبابة هبة من الطائفة، والمقعد الجامعي هبة، وجواز السفر هبة. وما يُعطى كهبة، يُسحب كعقاب. وهنا، في هذه اللحظة بالذات، تتحول من مواطنٍ له حق ينتزعه، إلى رعيةٍ تنتظر الرضا.
وتموت حين يتحول ولاؤنا من الدستور إلى الشخص. فلا نعود نوالي القانون، بل نوالي القائد والعائلة والشيخ. فيموت الدستور ويبقى الشخص، وتغرق الفكرة ويبقى الصنم.
الحل إذاً؟ الحل أن نبدأ من الرصيف لا من البرلمان. فالبرلمان لا يصنع المواطن، الرصيف هو الذي يصنعه. بأن لا ترمي النفايات، وأن تحترم دورك، وأن ترفض أن تدفع رشوة صغيرة لتمشي معاملتك.
وأن نحمي حقنا المقدس في أن نكون مختلفين. فالمجتمع الذي لا يتحمل جملة “أنا لا أشبهك” ليس مجتمع مواطنين، بل مصنع نسخ مكررة.
وأن نتعلم أن ننسى معاً. فكما قال إرنست رينان، الأمة تقوم على ما ننساه معاً بقدر ما تقوم على ما نتذكره. أن ننسى ثاراتنا معاً، لنستطيع أن نتذكر مستقبلنا معاً.
في النهاية، الوطنية تسأل: ماذا أعطاني الوطن؟
أما المواطنة، فتسأل سؤالاً موجعاً وجميلاً في آنٍ واحد: ماذا منعتُ أنا الوطن أن يكون؟