هل بقي شيء لا يستطيع المال شراءه ؟

 

خاص – ” الدنيا نيوز”

 

بقلم د. ميشلين بيطار*

لم يعد المال مجرد وسيلة للعيش، ولا أداة لتبادل السلع. لقد أصبح قوة تعيد تشكيل العالم، وتعيد ترتيب المكانة، وتعيد تعريف النجاح، بل وتعيد صياغة الرغبات نفسها.

شيئًا فشيئًا، تبدّلت المعايير. لم يعد السؤال:
من أين جاءت الثروة؟
يكفي أن تكون ضخمة حتى تتحول إلى دليل نجاح، فيصبح صاحبها جديرًا بالإعجاب والنفوذ، مهما كان الطريق الذي سلكه.

ثروات تتضخم من البورصات والأسهم والعملات الرقمية والتكنولوجيا والمضاربات،
وثروات تُبنى في الوجه الأكثر قتامة : الاتجار بالبشر ،الحروب، السلاح، الأزمات، وانهيار المجتمعات.

وفي المقابل، يتسع الجوع والقهر. ليست المشكلة اليوم في أن هناك أغنياء وفقراء؛
فقد عرف التاريخ ذلك دائمًا.

المشكلة أن الثروة أصبحت قادرة على توليد المزيد من الثروة بسهولة فائقة ، بينما يُترك الفقر ليعيد إنتاج نفسه إلى الأبد.

والأخطر في هذا المشهد هو هذا الجوع إلى المال الذي لا يعرف الشبع. فحين تتضخم الثروات إلى ما يتجاوز الحاجات، لا يتوقف النظام؛ بل يبحث عن المزيد من الأسواق.
وحين لا توجد حاجة كافية، يتم صناعتها.

سلع أكثر ترفًا، ندرة تُباع، تجارب تُشترى لا لحاجتها بل لإثبات القدرة عليها، ورغبات لم نكن نعرف أننا نحتاجها قبل أن يخبرنا السوق بذلك.

ثم يتجاوز السوق الأشياء إلى ما كان يفترض أن يبقى خارج منطق البيع: الوقت، الانتباه، الجسد، الجمال، الخصوصية، العلاقات، الحب.

حتى المرأة اختزلت إلى صورة، والجسد إلى منتج، والجمال إلى استثمار. هنا لا يعود الأمر مجرد اقتصاد. يصبح منطق السوق طريقة في النظر إلى الحياة.

وهذا هو التحول الأخطر: أن يصبح الثمن أهم من القيمة، والامتلاك أهم من المعنى،
والنتيجة أهم من الطريق إليها.

يُقال إن الرأسمالية وحش يلتهم كل شيء، ثم يلتهم نفسه. وربما لا تكمن خطورته في أنه يلتهم الأشياء فقط، بل في أنه يمدّد حدود السوق باستمرار، حتى يصل إلى الأشياء التي لم نكن نتصور يومًا أنها قابلة للبيع.

قد لا تكون المشكلة أن يستطيع المال تسعير كل شيء، بل أن ينجح في إملاء الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء. عندها لا يعود بحاجة إلى شراء العالم، يكفي أن يجعلنا نراه بعينيه.

———————————-

* طبيبة، وكاتبة لبنانية