مُدُن الدموع المخفية.. تشفى بقيامتها

 

بقلم العميد منذر الايوبي

في كل زاوية من زواياها، كل حجر ونافذة قصةٌ لم تُحكى. هناك حيث يلتقي الألم بالأمل، والحطام بالذاكرة، تتوارى دموع مدينة خلف جدران صامتة، لكنها حاضرة مع كل خطوة يخطوها أبناؤها.. هذا الصمت ليس جليدآ ولا استسلامًا بل صلابة قوة تُخفي إرادةً، تحمِلُ وعدآ أن كل جرحٍ طياته بذرة قيامة..!

كل مدينة كائن حيّ، تحوي قلبآ نابضآ لا تدركه عيون، يخبو حينًا ويشتعل حينًا أُخر… قلبٌ يختبئ بين كسوّة إسمنت تآكل، وابواب متعبة هالكة شاهدة على قصص لم تكتمل، إن روَى الزمن يومآ بعضها فأمثولةٌ وتاريخ…
هي المدينة ليست أبنية وأسواقًا وأرصفة، بل روحٌ تحفظ الفرح كما الحزن، ترنيمةُ صعود الإنسان ونشازِ سقوطه، ميلاده ومآسيه، معاصرةً ايام قحطٍ وغلا إختلط فيها المجد بالخذلان..!

بيروت، جُرحٌ غائر بعد تفجير مرفئها لم تعد مجرد مدينة نُكِبَت، بل ذاكرة وطن أنينها مكتوم في صدور أبنائها. بين الركام ظلّ صدى الأرواح حاضرٌ، ونسيم البَحري يعاكس الشُلُوق مُثقل برائحة الدمِ والفقد والخسارة. مع ذلك لم تتوقف الحياة تحاول النهوض، كأنها تقول: “أنا باقية رغم كل شيء”..!

طرابلس، ذاكرة مزدوجة آثار عريقة اعتادت رائحة الزهر والورد تراث حيٌ عظيم حاضنة في آنٍ بحرآ يحتضر وجزر خَمول.. ارخى الإهمال ظلاله حتى كاد الصراخ كفرآ. حُمِلَت صور عنفٍ ليست من رحمها، ألصقوا بها أوصافًا لا تليق بها. ورغم ذلك تشعر بلمعة أمل تضيء ظلام احياء سكنتها الغربة والفقر، إصرار على رغبة ولادة وتجدد. إنها شبيهة أبنائها، تتألم، تنكسر، لكنها لا تموت ..
إبتسامتها صلاة وإعادة تشكيل ذاتها إرادة، تهمس لزوارها: “أنا لست ما صنعوه بي، أنا أستحق حياةً أجمل”..

 

مدننا جميعها لا يبتلع الزمن أوجاعها، ندوب لا تُمحى ووجع لا يخفيه دثار بل يحوله معنى.. هي مثل شيخٍ يخبئ دموعه عن أبنائه كي لا يرهقهم.. لكنك ما إن تصغي جيدًا حتى تسمع نشيج الأزقة وزفير الزوايا كما إنبهار العيون العابرة على ارصفةً الأيام.. نحن أبناؤها نسير فوق ذاكرة لم نتفق بعد على قراءتها أو مواجهتها، نتهرّب من مرآة تعكس ضعفنا، وتعيد إلينا مشاهد نخشى رؤيتها…!

هل تشفى المدن..؟ ربما لا تبرأُ جراحها تمامًا، لكنها تملك سرّ البقاء. كإنسان يخرج من محنة عظيمة، يحوّل التجربة حكمة، والوجع قوة. المدينة تشفى حين يقرر أبناؤها أن يجعلوا من الذاكرة جسرًا نحو المستقبل، لا جدارًا يسجنهم في الماضي. حين يتعلمون من ركامها كيف يُبنى البيت من جديد، ومن دمائها معنى القيامة، ومن انقسامها درس الوحدة…!

شفاء المدن لا يكون بمحو الماضي بل بالتصالح معه. عندما يصبح أبناؤها عقلآ جمعيآ، ثقافةً متجددة وروح واحدة، عندها فقط تعود منزلآ لا نَزلَآ ، تغدو نموذجآ للصمود الإنساني، ولقدرة القيامة وتجاوز المآسي… المدن، مثل البشر، تشفى حين تختار أن تحيا، كي تقول للعالم “أنا هنا، ما زلت قادرة على الحياة”..!