خاص ـ “أخبار الدنيا”
بقلم الدكتورة ميرنا داود
ليس التطرف انحرافاً في الرأي، بل هو انقطاع في وظيفة العقل. إنه لحظة يستقيل فيها الفكر عن مهمته الأساسية، المتمثلة في الشك والمساءلة، ويتحول من أداة للبحث إلى أداة للحراسة.
يمكن تفكيك بنية هذا العقل إلى سبع آليات معرفية:
١. أنسنة المطلق وتأليه التاريخ:
يمارس العقل المتطرف ما يسميه علم الاجتماع “التطهير الرجعي للماضي”. ينتزع شخصيات تاريخية من سياقها الإنساني المليء بالتردد والخطأ والتجريب، ويعيد صناعتها في المخيال ككيانات نورانية معصومة. هذا التأليه ليس احتراماً للماضي، بل هو هروب من عبء الحاضر. فالتعامل مع بشر يخطئون يتطلب تفكيراً، أما التعامل مع أصنام لا تخطئ فيتطلب طاعة فقط.
٢. تحويل النسبي إلى مطلق:
وهي الحيلة البلاغية الأخطر. حيث يتم أخذ منتج بشري صرف – رأي، تفسير، سطر كُتب في لحظة انفعال تاريخي محددة – وخلع ثوب المطلق عليه. هنا ينقلب المنطق: لم تعد الفكرة في خدمة الحياة، بل أصبحت الحياة مطالبة بأن تبرر وجودها أمام الفكرة. هذا ما يسميه الفلاسفة “استبداد النص على الواقع”.
٣. اضطراب الذاكرة الجمعية:
يتعامل العقل المنغلق مع الموروث المنقول كحقيقة موضوعية، متجاهلاً أن ما وصلنا ليس “الحدث كما كان”، بل “ذاكرة الناس عن الحدث”. والذاكرة الجمعية، كما أثبتت دراسات التاريخ الشفهي، بنية مثقوبة بطبيعتها: يعبث بها النسيان، ويشكلها المنتصر، ويزخرفها الحنين. التعامل مع هذه الذاكرة المثقوبة كأرشيف معصوم هو خطأ منهجي فادح.
٤. مفارقة المرجعيات المنقرضة:
وهي أن يسلم الفرد مفاتيح فهم حاضره المعقد – عصر الضوء والذرة والذكاء الاصطناعي والجينوم – لمرجعيات تشكلت قبل مئات السنين في عالم بدائي الأدوات. إنها محاكمة الطائرة بمنطق القافلة. العقل هنا يرفض التحديث المعرفي ويعيش اغتراباً زمنياً.
٥. احتكار الحقيقة وموت الدهشة:
اللحظة المفصلية التي يتحول فيها الباحث إلى حارس هي لحظة اليقين الاحتكاري. يهمس الغرور المعرفي للفرد بأن الحقيقة الكاملة، النهائية، قد استقرت أخيراً بين يديه وحده دون البشر. عند هذه النقطة تموت الدهشة، وهي محرك المعرفة الأول، ويولد الحارس الذي مهمته ليست الفهم، بل المنع.
٦. وهم الأفضلية بالمصادفة وتواضع المعرفة الزائف:
يبني المتطرف شعوراً بالتفوق الأخلاقي والمعرفي على مجرد صدفة جغرافية ومعلوماتية: أن كتاباً معيناً أو معلومة معينة وقعت في طريقه ولم تقع في طريق غيره. ويُضاف إليه وهم الاكتفاء المعرفي: قراءة نصف صفحة والاعتقاد بامتلاك المكتبة كلها. وهو ما يسميه علم النفس المعرفي “تأثير دانينغ-كروجر”: قلة المعرفة تؤدي إلى تضخم الثقة.
٧. حتمية الميلاد وغياب الاختبار المضاد:
وهي الحلقة الأخيرة والأكثر كشفاً. يدافع الفرد بشراسة عن انتماء قبلي أو فكري وُلد فيه بالمصادفة البحتة، دون أن يخضع نفسه للاختبار الفكري الأهم، وهو الاختبار المضاد:
لو أن جغرافيا أخرى استقبلتك أول مرة، وبيتاً آخر رباك، ولغة واسماً آخرين نوديت بهما، هل كنت ستحمل نفس الراية وتقاتل نفسك اليوم؟
لو كنت اليوم في الضفة المقابلة، ألم تكن لتهتف بنفس الحماس، وبنفس اليقين، ضد ما تهتف له الآن؟
هذا السؤال يكشف الحقيقة المرة: في الغالب، أنت لم تختر أفكارك بعملية عقلية حرة، بل أفكارك هي التي اختارتك بحكم الصدفة والوراثة الاجتماعية.
العقل الحر، في التعريف الأكاديمي، هو عقل يجد راحته في إدارة الشك والسؤال المستمر. إنه يتعايش مع اللايقين كشرط للمعرفة.
أما العقل المتطرف، فهو عقل لا يحتمل القلق المعرفي، فيجد راحته الوحيدة والأبدية في إغلاق الباب، وإطفاء النور، والاختباء داخل يقين مريح، ولو كان قبراً.