ما بعد القانون: من يحاكم العدالة نفسها؟

 

ليست العدالة نصاً يُحفظ، ولا مادة تُدرّس في كليات الحقوق. العدالة هي ذلك _الوميض_ الذي تشعر به عندما ترى قوياً يعتذر لضعيف. كل ما عدا ذلك هو تنظيم إداري للظلم.
نحن نعيش خدعة كبرى: نظن أننا إذا كتبنا قوانين كثيرة، سنصبح عادلين. والحقيقة أن كثرة القوانين هي أول علامة على موت العدالة. المجتمعات العادلة تحتاج إلى قانونين، أما المجتمعات الظالمة فتحتاج إلى ألف قانون لتبرير ظلمها.
١- الفلسفة: العدالة التي لا تنام:
تبدأ الحكاية في أثينا، مع أفلاطون الذي كان يرى مدينة تنهار، فصعد إلى عقله.
العدالة عنده ليست في المحكمة، العدالة في داخلك. نفسك هي مدينة مصغرة. إذا حكم عقلك، وانضبط غضبك، وتهذبت شهوتك، فأنت عادل. وإذا حكمت شهوتك، فأنت طاغية حتى لو كنت حافي القدمين.
وعند أرسطو، العدالة هي نسبة: أن تعطي المساوي للمساوي، والمختلف للمختلف. فأن تساوي بين اثنين غير متساويين هو قمة الظلم.
ثم جاء رجل اسمه ابن خلدون. رأى ما لم يره أفلاطون: المدن تموت. لماذا؟ لأن الحاكم يظلم. والظلم ليس خطيئة أخلاقية، الظلم هو إشارة هروب.
الناس لا تثور دائماً، الناس تهاجر بمالها وأبنائها. ويبقى الحاكم يحكم الخراب.
عند ابن خلدون العدالة هي البنية التحتية للعمران، لا عدالة لا عمران.
وعند نيتشه، العدالة سخرية: اختراع الضعفاء ليقيدوا الأقوياء. حيلة القطيع ضد الذئب.
أما عند ليفيناس، فالعدالة تبدأ عندما أنظر في وجه الآخر. وجهاً جائعاً، خائفاً، وحيداً، فأشعر فجأة أنني مسؤول. قبل أن أفكر، أنا مسؤول. قبل أن أفهم، أنا مدان بمسؤوليتي عنه.
الفلسفة إذن لا تمنحك تعريفاً، تمنحك قلقاً. ومن لا يقلق، لم يفهم العدالة بعد.
٢- السياسة: كيف تم اغتيال العدالة؟
إذا كانت الفلسفة تسأل، فالسياسة تجيب بسرعة كي لا يسمع أحد السؤال.
السياسة الحديثة اكتشفت أن أرخص طريقة للحكم هي أن تتحدث عن العدالة كل يوم، وتمارس عكسها كل يوم. وقد تم ذلك عبر ثلاث عمليات تحويل قاتلة:
أولاً: تحويل العدالة من قيمة إلى إجراء:
صار العادل هو من يملأ الاستمارة بشكل صحيح، لا من ينصر المظلوم. صار القاضي الذي يطبق النص الظالم “محترماً”، والقاضي الذي يكسر النص لينصف مظلوماً “شعبوياً”. لقد قتلنا روح العدالة باسم احترام الإجراءات.
ثانياً: تحويل العدالة من عامة إلى انتقائية:
عدالة ضد الفقير الذي يسرق رغيفاً، وتسامح مع المصرف الذي يسرق وطناً. عدالة حازمة ضد المعارض، ومتسامحة مع الحليف. هذه ليست عدالة، هذه إدارة انتقام.
ثالثاً: تحويل العدالة من فعل إلى خطاب:
في منطق ماكيافيلي الخالد: على الأمير أن يبدو عادلاً، ورحيماً، وإنسانياً، لا أن يكون كذلك فعلاً، لأن كونه كذلك يضره. السياسي الناجح اليوم هو الممثل البارع لدور العادل.
٣- القانون: الحارس الذي يحتاج حارساً:
نحن نظن أن القانون هو الذي يحمي العدالة. والحقيقة أن القانون هو الذي يحتاج من يحميه من العدالة.
لأن القانون يمكن أن يكون ظالماً بامتياز. قوانين الفصل العنصري كانت قانوناً. قوانين مصادرة أراضي الفلاحين كانت قانوناً. محاكم التفتيش كانت تعمل بالقانون، وتشنق باسم القانون.
من يحاكم القانون إذن؟
هنا تولد فكرة “ما بعد القانون”. ما بعد القانون لا يعني فوضى، ولا يعني التمرد على الدولة، بل يعني تلك اللحظة النادرة التي يصبح فيها القانون نفسه متهماً في قفص العدالة.
عندما يقول لك القانون: اسكت عن الظلم احتراماً للقانون، فاعلم أن القانون مات، وبقيت جثته تحكمنا.
الدولة العادلة ليست التي تملك دستور من ٣٠٠ مادة. الدولة العادلة هي التي تستطيع فيها امرأة فقيرة أن تقف أمام قاضٍ وتقول: “هذا القانون ظلمني”، فينصت لها القاضي لا لأنه يحب الفوضى، بل لأنه يحب العدالة أكثر من حبه للنص.
-ثمن الوميض:
لماذا العدالة غائبة؟ لأنها غالية.
الظلم مجاني. تستطيع أن تظلم وأنت جالس في مكتبك المكيف.
أما العدالة فتحتاج أن تقف. أن تخسر. أن تقول لا لصديقك إذا كان ظالماً، ونعم لعدوك إذا كان الحق معه.
الفلسفة تذكرك أنك مسؤول عن وجه الآخر.
السياسة تقنعك أنك مسؤول عن نفسك فقط.
والقانون يكتب التسوية البائسة بين الاثنين.
فاختر: هل تريد عدالة تُكتب، أم عدالة تُعاش؟
الأولى تجدها في الكتب، والثانية لا تجدها إلا إذا كنت مستعداً أن تدفع ثمن ذلك الوميض.