لقاء الشيباني-غوفمان.. تثبيت المسار الأمني وتأجيل التفاوض السياسي
خاص – “أخبار الدنيا”

بقلم العميد منذر الأيوبي*
لم يكن لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في الأردن لقاءً عابرًا يُكتفى بوضعه في خانة الاتصالات الهادفة إلى خفض التوتر بين دمشق وتل أبيب. فالتوقيت، وطبيعة الوفدين، والظروف التي سبقته، تجعل منه محطة تتجاوز حدود العلاقة السورية ـ الإسرائيلية، لتلامس إعادة رسم قواعد الأمن في سوريا والمنطقة.
إن مشاركة مسؤولين عسكريين سوريين في اللقاء تؤكد أن الجانب الأمني أصبح في صلب العلاقة بين الطرفين، وأن القضايا المطروحة تتصل مباشرة بما يجري على الأرض: تموضع وانتشار القوات، حركة السلاح ونوعية التسليح، وطبيعة الوجود العسكري الأجنبي، ولا سيما التركي منه، وحدود ما يمكن أن تقبله إسرائيل في المرحلة المقبلة.
وما يستوقف في المشهد هو توقيت اللقاء؛ فقد جاء بعد أيام قليلة من الضربة الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية، والتي سبقها، وفق ما توفر من معطيات، اتصال هاتفي بين الشيباني وغوفمان تناول الوجود العسكري التركي في سوريا.
هذه المعطيات تصبح أكثر دلالة إذا أخذنا في الاعتبار تسلسل الأحداث: اتصال أمني، ثم ضربة عسكرية، ثم لقاء مباشر بوساطة أميركية. وهو تسلسل يعكس طبيعة إدارة إسرائيل للملف السوري؛ فلا تخلٍّ عن استخدام القوة، كما لا إغلاق لباب التفاوض، وإنما اعتماد قناة اتصال أمنية ثابتة لمحاولة تحويل الوقائع الميدانية إلى ترتيبات قابلة للاستمرار.
هنا تدخل تركيا على خط الأزمة بقوة. دولة إقليمية كبيرة، تمتلك جيشًا متطورًا، ولها مصالح مباشرة في مستقبل سوريا، كما أنها من أبرز الداعمين لعملية إعادة بناء الدولة الجديدة. بالتالي، لا تنظر تل أبيب فقط إلى مسألة الوجود العسكري التركي باعتباره وجودًا قائمًا، وإنما إلى طبيعته وحجمه ووظيفته: هل يقتصر على أدوار تقنية وتدريبية ولوجستية، أم يتحول إلى وجود عسكري قادر على فرض معادلات جديدة، من خلال وحدات قتالية أو قدرات جوية وغيرها؟
من هذه الزاوية، تصبح قاعدة أبو الظهور أكثر من مجرد هدف عسكري؛ فالرسالة الإسرائيلية موجهة إلى دمشق وأنقرة في آن: هناك حدود للوجود العسكري الذي يمكن لإسرائيل أن تتعامل معه، حتى لو كان داخل الأراضي السورية.
فيما تجد دمشق نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فهي تحتاج إلى استمرار الرعاية التركية، ولا سيما في إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، وفي الوقت نفسه تحرص على ألا تتحول الأراضي السورية إلى ساحة مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل. وبين سعيها لاستعادة سيادتها وقرارها الوطني، تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع قوى إقليمية ودولية تمتلك تأثيرًا مباشرًا في أمنها ومستقبلها.
وعليه، فإن مهمة الشيباني ليست سهلة. إسرائيل تريد ضمانات لأمنها، بينما تسعى سوريا إلى الحفاظ على سيادتها، والفارق بين الهدفين كبير. أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة لا تقل تعقيدًا؛ فهي، بالتوازي مع الحفاظ على نفوذها ومصالحها الاستراتيجية في المرحلة الجديدة من تاريخ سوريا، تحاول إيجاد صيغة تمنع اصطدام المصالح بين دمشق وأنقرة وتل أبيب، وتثبت استقرارًا، ولو نسبياً، على الجبهة السورية ـ الإسرائيلية، مع تلافي أي مواجهة إسرائيلية ـ تركية داخل الأراضي السورية.
لكن لكل طرف تصور مختلف، انطلاقًا من مصالحه الاستراتيجية. تركيا تريد سوريا مستقرة ضمن دائرة أمنها القومي، بينما تخشى تل أبيب أن يتحول الوجود التركي إلى قوة عسكرية تشكل تهديدًا محتملًا لها، أو إلى قاعدة نفوذ لقوة إقليمية منافسة. أما دمشق، فتسعى إلى استعادة قرارها السيادي، بالتزامن مع الخروج التدريجي من مرحلة الاعتماد على الخارج إلى مرحلة امتلاك القدرة على إدارة أمنها بنفسها.
هنا جوهر المسألة. فإذا تحولت الترتيبات الأمنية قيوداً دائمة على تسليح الجيش السوري وانتشاره وحركته، فإن الأمر لن يعود مجرد ترتيبات مؤقتة لخفض التوتر، بل سيصبح جزءًا من شكل الدولة السورية الجديدة.
من جهة أخرى، لا يعني لقاء الشيباني وغوفمان أن سوريا دخلت مرحلة التطبيع السياسي. فقد تفاوض دمشق على وقف الضربات، وقواعد الاشتباك، والعودة إلى ترتيبات فك الاشتباك لعام 1974، من دون أن تكون قد حسمت موقفها من التطبيع السياسي أو من الملفات الكبرى، وفي مقدمتها قضية الجولان.
بل إن فصل المسار الأمني عن المسار السياسي قد يكون، في هذه المرحلة، مصلحة سورية؛ فهو يسمح لدمشق بمعالجة الأخطار الداهمة دون الدخول في ملفات سياسية يصعب التراجع عنها لاحقًا. لكن إسرائيل، في المقابل، ستسعى إلى تثبيت ما تحققه أمنيًا على الأرض وتحويله إلى قواعد مستقرة.
وبناءً عليه، تصبح المسألة أكثر حساسية. فالسؤال لم يعد فقط: هل تتوقف الضربات الإسرائيلية؟ بل ما هي قواعد الأمن في سوريا بعد الحرب؟ وهل ستكون دمشق صاحبة القرار في تحديد طبيعة انتشار قواتها وتسليح جيشها وحركته؟ أم تتحول الأراضي السورية إلى مساحة توازن بين النفوذ التركي والاشتراطات الإسرائيلية والرعاية الأميركية؟ ربما يكون الاختبار الحقيقي أمام دمشق هو في قدرتها على الاستفادة من التنافس بين هذه القوى، من دون أن تقع تحت نفوذ أي منها بالمطلق.
في نهاية المطاف، اللقاء ليس مجرد تفاوض حول ترتيبات أمنية، بل جزء من صراع أكبر على شكل التوازنات التي ستنشأ في سوريا. وقد تكون أمام دمشق فرصة كما قد تكون أمامها مخاطرة. الفرصة تكمن في قدرتها على تحويل موقعها الجغرافي والسياسي إلى حاجة ماسة لمختلف الأطراف. أما المخاطرة، فهي أن تدخل في ترتيبات أمنية من موقع الضعف، فتتحول هذه الترتيبات تدريجيًا إلى قيود دائمة على قرارها العسكري والسياسي.
الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كان لقاء الأردن بداية تفاهم أمني محدود، أم بداية مسار أوسع لإعادة رسم قواعد القوة في سوريا. وفي الحالتين، فإن ما يعاد رسمه لا يقتصر على العلاقة بين دمشق وتل أبيب، بل يتصل بخريطة أمن إقليمية جديدة، ستكون لها انعكاساتها على الجولان ولبنان، وعلى توازنات المشرق بأكمله.
*عميد متقاعد، مختص في الشؤون الأمنية ومكافحة الإرهاب.