لقاء الشمس والظل: ديوجين والإسكندر..!!

 

خاص – “الدنيا نيوز”

 

بقلم : الدكتورة ميرنا داود*

وقف التاريخ كله في بقعة ضوء…
بقعة رسمتها الشمس على تراب أثينا، وتوسطها برميل. لم يكن البرميل قصراً، ولا عرشاً، بل كان الحدّ الفاصل بين عالمين. خارجه اصطفّت الدنيا بسيفها وذهبها وخيولها. وداخله استلقى رجل عارٍ إلا من يقينه.
حين يلتقي من يملك الأرض بمن لا يملك إلا نفسه، يسقط الزمن. الإسكندر المقدوني، الفتى الذي خنق المشرق والمغرب في قبضته، انحنى لا ليذلّ، بل ليرى. رأى أمامه رجلاً لم تروّضه الحاجة، ولم تغره المواعيد. ديوجين لم يرفع رأسه لأن السماء كانت أقرب إليه من تاج الإسكندر.
“سلني ما شئت”..!!
جملة قالها كل طاغية في التاريخ لمن ظنّ أنه اشتراه. هي ذروة القوة، وفي الآن نفسه أول اعتراف بالعجز. فالقادر حقاً لا يعرض العطاء، بل يُخشى منعه. الإسكندر عرض العالم، لأنه أدرك بالغريزة أن هذا الجالس في البرميل يقف خارج العالم.
“تنحَّ عن شمسي”..!!
لم تكن إهانة، كانت تعريفاً للوجود.
ديوجين لم يطلب شمساً جديدة، بل طالب بحقه في شمسه القديمة. الشمس هنا ليست نجماً، بل هي الاستعارة الكبرى للكفاية،للضوء الذي لا يُمنح ولا يُسلب،للمسافة المقدسة بين الإنسان وقيدِه. كل سلطة في الأرض هي في جوهرها ظلّ يلقيه رجل على رجل آخر. وديوجين، بحركة من لسانه، أزاح إمبراطورية كاملة عن كتفه.
المفارقة الكبرى: السيد عبدٌ لرغبته، والعبد سيدٌ لاكتفائه.
الإسكندر يركض ليملأ فراغاً لا يمتلئ. كل مدينة يفتحها تولد في قلبه مدينة أخرى تنتظر الفتح. هو المثقوب من الداخل، لذلك يحتاج إلى خريطة. أما ديوجين، فأغلق دائرة وجوده. برميله كان دائرة مكتملة. لا باب يدخله الطمع، ولا نافذة يطل منها الخوف. فقره ليس غياباً، بل حضورٌ مكثف للذات بلا أقنعة.
ضحكة الإسكندر كانت لحظة استنارته الوحيدة. فيها هُزم الإمبراطور وانتصر الإنسان:
“لو لم أكن الإسكندر لوددت أن أكون ديوجين” ليست أمنية، بل مرثية. رثى بها نفسه. عرف أن التيجان تشتري كل شيء إلا الخفة. إلا القدرة على الجلوس في الشمس دون أن تطالبك الشمس بضريبة.
نحن أبناء هذه اللحظة إلى اليوم. كل صباح نقف في براميلنا الهشة: وظيفة، علاقة، قرض، صورة اجتماعية. ويمرّ بنا ألف إسكندر: إعلان، طموح مسموم، مقارنة، خوف من الفوات. ويهمس لنا: “سلني ما شئت”.
والسؤال الذي يفصل بين العبودية والحرية هو: ما شمسك التي لا تقايضها؟
ما الشيء الذي إن حجبه عنك أحد، خسرته كله، حتى لو أعطاك العالم؟
ديوجين لم يكن عدمياً. كان يملك أثمن ما في الوجود: سؤالاً أجاب عليه. “ماذا يكفيني؟” وحين عرف الجواب، صار أغنى من الإسكندر. لأن الغني ليس من يملك ما يُتمنى، بل من لم يعد يتمنى ما لا يملك.
السلطة الحقيقية ليست أن تقول “لك ما تريد”.
السلطة الحقيقية أن تقول “لا أريد منك شيئاً”. عندها، تنكسر كل السيوف، وتذبل كل التيجان، وتبقى أنت… في الشمس.

———————————-

* كاتبة واستاذة جامعية