مميزالرأي المستقل

لبنان والعاصفة الشعبية … انقسام عامودي غطاؤه عالمي

بقلم: نمر ابي ديب*

مع بداية المرحلة الثانية من عمر الحراك الشعبي أكتمل المشهد السياسي المحيط بالأزمة الداخلية ودخل لبنان الدولة بمؤسساته الدستورية وأحزابه السياسية مرحلة جديدة من الأنقسام العامودي القائم بالدرجة الأولى على عناوين سياسية وأخرى وجودية تتعلق بسياسة لبنان الخارجية وموقفه الرسمي من مُجمل القضايا العالقة على الساحتين المحلية والإقليمية، في مشهد أعادت من خلاله أستقالة الرئيس سعد الحريري ومظاهرات بعبدا مشهدية الأصطفاف السابق 8 و14 آذار المُتَمثل اليوم في الإنقسام العامودي المُتجدد مع كل أمتحان أو تقاطع مفصلي يمر فيه لبنان ما طرح العديد من علامات الأستفهام السياسي حول طبيعة إنقسام اليوم وأبعاده المُتَرتبة سياسياً أمنياً وإقتصادياً على المشهد اللبناني برمته الذي يتقاطع مع مرحلة عدم أستقرار سياسي أكدت فيها جميع العوامل الداخلية الظاهرة والمُبَطنة على تجذر الحالة الخلافية في بنية المنظومة السياسية المُكونة للدولة نتيجة التباين الدائم في القراءة السياسية والأختلاف الجوهري في الرؤيا الإستراتيجية تجاه العديد من القضايا الأساسية التي يُحَدد على أساسها مع الأكثرية النيابية الهوية السياسية للدولة اللبنانية الموجودة اليوم بحكم الجغرافيا السياسية على خارطة الأهتزاز الإقليمي الهادف إلى إعادة صياغة مساحات النفوذ “الروسية الأميركية” في المنطقة وفق معايير جديدة تحددها نتائج الميادين المشتعلة في كل من اليمن سورية العراق وغيرها من دول المواجهة الإقليمية.

ما يجري اليوم على الساحة الداخلية جزأ لا يتجزأ من مفاعيل الإنقسام المستتر بشعارات شعبوية وعناوين مطلبية جرى أستثمارها تباعاً في لعبة الشارع والشارع المضاد، إظهاراً للحالة الشعبية عند الفريقين، لتحسين شروط التفاوض وتأمين الحد الأدنى من التموضع السياسي المُثمر لكلا المحورين في المواجهة الحالية.

أمام هذا الواقع وجد الجميع في مرحلة ما قبل التشكيل فرصة ذهبية لإعادة التموضع السياسي والتقاط الأنفاس لا بل أكثر من ذالك وجد البعض في هذه المرحلة مقدمة عملية لإعادة صياغة الواقع اللبناني على أسس ومعايير تضمن على المستوى السياسي مكافحة الفسادين المالي والإداري وهذا مطلب جدي وحقيقي لقوى سياسية بارزة وأساسية على الساحة اللبنانية، بالتالي لا بديل اليوم عن حكومة إنقاذية مُطَعمة سياسة وتكنوقراط مع ممثلين عن الحراك الشعبي برئاسة دولة الرئيس “سعد الحريري” إنطلاقاً من مصلحة سياسية مشتركة ودوافع عديدة أهمها الخروج السريع من دوامة الأزمة الإقتصادية، الحفاظ على الأستقرار السياسي والأمني وايضاً على ما تبقى من التسوية الرئاسية للمرحلة المقبلة وهنا تجدر الإشارة إلى أن التسوية الرئاسية قائمة بالدرجة الأولى على “أزدواجية حكم وتلازم مسارين” الرئيس ميشال عون والرئيس سعد الحريري وأي عملية ربط وجودي في مسار التكليف أو حتى التأليف بين وزير الخارجية جبران باسيل والرئيس سعد الحريري من قبل التيار الوطني الحر هو أسقاط فعلي ومباشر للتسوية الرئاسية إنطلاقاً من مفصلية المرحلة بالنسبة للطرفين وجوهر التسوية.

بالرغم من ما تقدم برز على خط الأزمة المستمرة مواقف متقدمة لكل من رئيس الحزب التقدمي الأشتراكي وليد جنبلاط والنائب السابق مصطفى علوش في مشهد مُكَمِل لسياسة المواجهة التي تخوض على أساسها قوى التغيير معركة تغييب الوزير جبران باسيل عن المشهد الحكومي ما طرح العديد من علامات الأستفهام السياسي حول النتيجة بالدرجة الأولى والدور الذي يمكن أن يلعبه حزب الله في هذه المواجهة السياسية كونه الضامن الفعلي للعهد والحليف الأول للتيار الوطني الحر ولوزير الخارجية جبران باسيل.

حقيقةً، ما يجري اليوم على الساحة اللبنانية يتخطى في أبعاده السياسية الحسابات الداخلية في لعبة المواجهة الإقليمية والدولية مع حزب الله ويَصُب بشكل مباشر في خانة الأعتداء المباشرة على أمن المقاومة السياسي من خلال أضعاف العهد وإسقاط رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وزارياً، وهنا على الجميع أن يدرك حساسية الموقف الداخلي وحجم الإحاطة السياسية التي يوفرها حزب الله اليوم للتيار الوطني الحر وللوزير جبران باسيل تحديداً وإن أي ثمن يمكن أن يُدَفَّع اليوم لوزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل سواء على المستوى الوزاري أم على المستوى السياسي بشكل عام يمكن أن يجعل من الوزير باسيل أولوية سياسية لحزب الله في المراحل المقبلة ويضع الحزب بشخص أمينه العام السيد حسن نصرالله أمام ألتزام أخلاقي جديد بشخص رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وعلى مستوى الموقع الأول في الجمهورية اللبنانية.

في الخلاصة ما يجري اليوم يؤكد على جدلية الإنقسام العامودي في الدولة اللبنانية ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية لضمان خروج لبناني آمن من عنق زجاجة الأزمة السياسية والأقتصادية التي عصفت بالبلد ذات الأمتداد الإقليمي والغطاء العالمي.


* كاتب سياسي

مقالات ذات صلة